البنيان في تربية الفتيان — ج 1
مصطفى دياب • التربية والأسرة • ص 38
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
ويحتمل أن المراد أنه الذي يكون في آخر الإناء الذي يشربون منه الرحيق حثالة، وهي المسك الأذفر، وهذا الكدر منه الذي جرت العادة في الدنيا أنه يُراق (لا ينتفع به) يكون في الجنة بهذه المثابة، ﴿وَفِي ذَلِكَ﴾ النعيم المقيم الذي لا يعلم حُسنه ومقداره إلا الله ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي: يتسابقوا في المبادرة إليه بالأعمال الموصلة إليه، فهذا أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفس، وأحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال.
﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ وما يُخلط به هذا الشراب من تسنيم، والتسنيم هي عين ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ خالصة لهم، وهو أعلى أشربة الجنة على الإطلاق، فلذلك كانت خالصة للمقرَّبين الذين هم أعلى الخلق منزلة، وممزوجة لأصحاب اليمين أي: مخلوطة بالرحيق وغيره من الأشرّبة اللذيذة.
لما ذكر تعالى جزاء المجرمين وجزاء المؤمنين وذكر ما بينهما من التفاوت العظيم، أخبر أن المجرمين كانوا في الدنيا يسخرون من المؤمنين ويستهزئون بهم ويضحكون منهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ويتغامزون بهم عند مرورهم عليهم احتقارًا لهم وازدراء، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ ومع هذا تراهم مطمئنين، لا يخطر الخوف على بالهم! ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ﴾ صباحًا أو مساءً ﴿انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ أي: مسرورين مغتبطين، وهذا من أعظم ما يكون من الاغترار، أنهم جمعوا بين غاية الإساِءة والأمن في الدنيا، حتى كأنهم جاءهم كتاب من الله وعهد أنهم من أهل السعادة.
وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى، وأن المؤمنين ضالون افتراء على الله، وتجرَّؤوا على القول عليه بلا علم.
﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُونَ﴾.