شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 116
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ. نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْفُسِنَا، وَنُرْسِلُ مَنْ يَدْعُوهُمْ. فَمَنْ اتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ(١). قَالَ: "صَدَقْتَ، إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ". الْحَدِيثُ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فَالْأَنَاةُ تَرَبُّصُهُ حَتَّى نَظَرَ فِي مَصَالِحِهِ وَلَمْ يَعْجَلْ، وَالْحِلْمُ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ الدَّالُّ عَلَى صِحَّةِ عَقْلِهِ، وَجَوْدَةِ نَظَرِهِ لِلْعَوَاقِبِ.
قُلْتُ: وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا جَاءَ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَشَجِّ "إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَانَا فِيَّ أَمْ حَدَثَا؟ قَالَ: "بَلْ قَدِيمٌ". قَالَ: قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا(٢).
______
(١) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَنَاةَ كَانَتْ فِيهِ جِبِلَّةً فَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِهُدُوءٍ وَوَعْيٍ تَامٍّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي نَفْسِهِ: نُبَايِعُ عَنْ قَوْمِنَا كُلِّهِمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ يَرْفُضُ، فَهَلْ يُصْبِحُوا بِذَلِكَ كَفَرَةً مُرْتَدِّينَ، لَا.
(٢) وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَخْلَاقَ مِنْهَا مَا هُوَ جِبِلِّيٌّ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُكْتَسَبٌ، وَالْجِبِلِّيُّ يَكُونُ أَكْمَلَ وَهَذَا يَهَبُهُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ، فَيَجْبِلُ بَعْضَ الْعِبَادِ عَلَى خِصَالٍ يُحِبُّهَا، وَيَجْبِلُ بَعْضَهُمْ عَلَى خِصَالٍ لَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّكَ تَجِدُ شَخْصًا سَرِيعَ الْغَضَبِ مَجْبُولًا عَلَى ذَلِكَ يُقَاوِمُ نَفْسَهُ تَخَلُّقًا وَتَأَدُّبًا وَتَهْذِيبًا لِنَفْسِهِ، وَلَوْ أَنَّ الْأَخْلَاقَ لَا تَقْبَلُ التَّهْذِيبَ لَمَا كَانَ هُنَاكَ مَعْنًى لِلتَّزْكِيَةِ وَلَا لِلتَّرْبِيَةِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُتْرَكُ لِجِبِلَّتِهِ مُطْلَقًا، فَالْجِبِلَّةُ تَكُونُ فِي الْإِنْسَانِ سَجِيَّةً وَعِنْدَمَا تَفْتَحُ لَهَا الْأَسْبَابَ تَكُونُ عَظِيمَةً جِدًّا، فَالْإِنْسَانُ السَّرِيعُ الْغَضَبِ فِي الْقِتَالِ نَافِعٌ جِدًّا. وَلَوْ رُبِّيَ عَلَى التَّعَقُّلِ وَالْأَنَاةِ مِنْ جُبِلَ عَلَى الْحِلْمِ لَعَظُمَ ذَلِكَ جِدًّا، وَيُمْكِنُ لِسَرِيعِ الْغَضَبِ أَنْ يُرَبِّيَ نَفْسَهُ عَلَى الْحِلْمِ، قَالَ ﷺ «وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ» (طس) ٢٦٦٣، أَبُو خَيْثَمَةَ فِي الْعِلْمِ ج ١ ص ٢٨ ح ١١٤، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ: ٢٣٢٨، الصَّحِيحَةِ: ٣٤٢، وَبِالْقَطْعِ لَنْ يَكُونَ مِثْلَ مَنْ جُبِلَ عَلَى الْحِلْمِ، وَلَكِنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُمْسِكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَبَّى الْجَبَانُ عَلَى الشَّجَاعَةِ، فَيُوضَعُ وَسَطَ الشُّجْعَانِ، فَيَتَرَبَّى عَلَى التَّقَدُّمِ فِي الْمَعَارِكِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَشْتَرِكُوا فِي الْمَعْرَكَةِ عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّجَاعَةِ، وَكَذَا الْجُبْنُ لَيْسَ شَيْئًا وَاحِدًا، وَالْقَدَرُ الْمُحَرَّمُ مِنْهُ الَّذِي يُوصِلُ إِلَى الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ، وَيَجْتَهِدُ الْمَرْءُ فِي مُخَاطَبَةِ النَّاسِ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ هُوَ مَجْبُولٌ عَلَى الْجُرْأَةِ، وَهَكَذَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، يَجْتَهِدُ الْعَبْدُ فِي تَرْبِيَةِ نَفْسِهِ.