شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 180
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ)
فَالْمُرَادُ قَرُبَتْ وَفَاتُهُ وَحَضَرَتْ دَلَائِلُهَا وَذَلِكَ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ (١) وَالنَّزْعِ، وَلَوْ كَانَ فِي حَالِ الْمُعَايَنَةِ وَالنَّزْعِ لَمَا نَفَعَهُ الْإِيمَانُ، وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ مُحَاوَرَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَمَعَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ (٢).
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ جَعَلَ الْحُضُورَ هُنَا عَلَى حَقِيقَةِ الِاحْتِضَارِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَا بِقَوْلِهِ حِينَئِذٍ أَنْ تَنَالَهُ الرَّحْمَةُ بِبَرَكَتِهِ ﷺ.
قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ لِمَا قَدَمْنَاهُ (٣).
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَ)
فَهَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ (وَيُعِيدُ لَهُ) يَعْنِي أَبَا طَالِبٍ. وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ جَمِيعِ الْأُصُولِ وَالشُّيُوخِ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ (وَيُعِيدَانِ لَهُ) عَلَى التَّثْنِيَةِ لِأَبِي جَهْلٍ وَابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ.
قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا أَشْبَهُ.
وَقَوْلُهُ (يَعْرِضُهَا) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)
فَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْآدَابِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ حَكَى قَوْلَ غَيْرِهِ الْقَبِيحَ أَتَى بِهِ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ لِقُبْحِ صُورَةِ لَفْظِهِ الْوَاقِعِ (٤).
______
(١) المعاينة؛ أي معاينة الملائكة ويرى بعينه الغيوبات التي أخبرت بها الرسل، والنزع هو نزع الروح.
(٢) فرد على النبي ﷺ وقال: [لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ] مسلم (١٤٤)، فهو مدرك لما يقول وما زال ينظر لحساب الناس إلى آخر لحظه والعياذ بالله- نسأل الله العافية، وهذه قصة عجيبة وآية من آيات الله وعزّ.
(٣) لأن الآية صريحة، وهي دليل على عدم قبول صحة التوبة حال المعاينة.
(٤) لفظ أبي طالب: «أنا على ملة عبد المطلب»، فالراوي غيرها إلى قوله: «هو» فقال: «كان آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب»، فذكرها في صيغة الغيبة لقبَح اللفظ: «أنا على ملة عبد المطلب».