شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 224
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (لِاسْتِي)
فَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الدُّبُرِ وَالْمُسْتَحَبُّ فِي مِثْلِ هَذَا الْكِنَايَةُ عَنْ قَبِيحِ الْأَسْمَاءِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ وَالْأَلْفَاظِ الَّتِي تُحَصِّلُ الْغَرَضَ وَلَا يَكُونُ فِي صُورَتِهَا مَا يُسْتَحَيَا مِنَ التَّصْرِيحِ بِحَقِيقَةِ لَفْظِهِ. وَبِهَذَا الْأَدَبِ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ وَالسُّنَنُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾(1) ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾(2). وَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَ صَرِيحَ الِاسْمِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ وَهِيَ إِزَالَةُ اللَّبْسِ أَوِ الِاشْتِرَاكِ أَوْ نَفْيِ الْمَجَازِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، وَكَقَوْلِهِ ﷺ: "أَنْكَحْتُهَا"(3)، وَكَقَوْلِهِ ﷺ: "أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ"(4)، وَكَقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "الْحَدَثُ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ" وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَاسْتِعْمَالُ أَبِي هُرَيْرَةَ هُنَا لَفْظَ الِاسْتِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا دَفْعُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَهُ فَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ سُقُوطَهُ وَإِيذَاءَهُ بَلْ قَصَدَ رَدَّهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي زَجْرِهِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: وَلَيْسَ فِعْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُرَاجَعَتُهُ النَّبِيَّ ﷺ اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ وَرَدًّا لِأَمْرِهِ إِذْ لَيْسَ فِيمَا بَعَثَ بِهِ أَبَا هُرَيْرَةَ غَيْرُ تَطْيِيبِ قُلُوبِ الْأُمَّةِ وَبِشْرَاهُمْ، فَرَأَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ كَتْمَ هَذَا أَصْلَحُ لَهُمْ وَأَحْرَى أَنْ لَا يَتَّكِلُوا، وَأَنَّهُ أَعْوَدُ عَلَيْهِمْ بِالْخَيْرِ مِنْ مُعَجَّلِ هَذِهِ الْبُشْرَى، فَلَمَّا عَرَضَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ صَوَّبَهُ فِيهِ(5). وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
______
(1) وَهُوَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ.
(2) الِاعْتِزَالُ: وَمَعْنَاهَا لَا تُجَامِعُوهُنَّ فِي أَثْنَاءِ الْمَحِيضِ.
(3) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (6824)، وَأَحْمَدُ (2433)، وَأَبُو دَاوُد (4428).
(4) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (608)، وَمُسْلِم (389)، وَأَحْمَد (10456)، وَالنَّسَائِيُّ (670).
(5) الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكَّ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَتْقَنِ السَّمَاعَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ «أَبَعَثَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ» فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَأَكَّدَ أَوَّلًا وَلَمَّا تَأَكَّدَ عَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَرَّهُ، وَلَيْسَ هَذَا بِاعْتِرَاضٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَصْلًا، فَهُوَ أَوْلًا شَكَّ فِي سَمَاعِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِتْقَانِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا عَلِمَ الْأَكْمَلَ لِلْأُمَّةِ وَالْأَصْلَحَ لَهَا.