شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 226
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ رضي الله عنه عَلَيْهِ مِنَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِكْرَامِهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَالِانْتِعَاجِ الْبَالِغِ لِمَا يَطْرُقُهُ ﷺ.
وَفِيهِ اهْتِمَامُ الْأَتْبَاعِ بِحُقُوقِ مَتْبُوعِهِمْ وَالِاعْتِنَاءُ بِتَحْصِيلِ مَصَالِحِهِ وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ عَنْهُ (١).
وَفِيهِ جَوَازُ دُخُولِ الْإِنْسَانِ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِذَا عَلِمَ بِرِضَا ذَلِكَ لِمَوَدَّةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه دَخَلَ الْحَائِطَ وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِدُخُولِ الْأَرْضِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِأَدَوَاتِهِ وَأَكْلُ طَعَامِهِ وَالْحَمْلُ مِنْ طَعَامِهِ إِلَى بَيْتِهِ وَرُكُوبُ دَابَّتِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِهِ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ مِنَ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَصَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ الطَّعَامَ وَأَشْبَاهَهُ إِلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَأَشْبَاهِهِمَا. وَفِي ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ فِي حَقِّ مَنْ يَقْطَعُ بِطِيبِ قَلْبِ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ نَظَرٌ (٢). وَلَعَلَّ هَذَا يَكُونُ فِي الدَّرَاهِمِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي يُشَكُّ أَوْ قَدْ يُشَكُّ فِي رِضَاهُ بِهَا فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَشَكَّكَ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ مُطْلَقًا فِيمَا تَشَكَّكَ فِي رِضَاهُ بِه (٣).
ثُمَّ دَلِيلُ الْجَوَازِ فِي الْبَابِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَفِعْلُ وَقَوْلُ أَعْيَانِ الْأُمَّةِ.
فَالْكِتَابُ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ وَالسُّنَّةُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِنَحْوِهِ.
وَأَفْعَالُ السَّلَفِ وَأَقْوَالُهُمْ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَفِيهِ إِرْسَالُ الْإِمَامِ وَالْمَتْبُوعِ إِلَى أَتْبَاعِهِ بِعَلَامَةٍ يَعْرِفُونَهَا لِيَزْدَادُوا بِهَا طُمَأْنِينَةً.
________
(١) الإمام النووي: دائما يوسع مدار الأمر ولا يجعل ذلك خاصاً بالنبي ﷺ.
(٢) فلو أنه جازم برضاه عن أخذ المال فيأخذ ولا بأس.
(٣) فمبني المسألة واحد وهو اليقين بالرضا وعدم حصول الشك، واليقين معناه غلبة الظن.