شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 249
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
قَوْلُهُ: (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ غَيْرَكَ قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ ﷺ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أَيْ وَحَّدُوا اللَّهَ، وَآمَنُوا بِهِ، ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَمْ يَحِيدُوا عَنِ التَّوْحِيدِ، وَالْتَزَمُوا طَاعَتَهُ ﷺ إِلَى أَنْ تُوُفُّوا عَلَى ذَلِكَ. وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدَّ وَلَا أَشَقَّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَالُوا: قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ فَقَالَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا"(1). قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: الِاسْتِقَامَةُ دَرَجَةٌ بِهَا كَمَالُ الْأُمُورِ وَتَمَامُهَا، وَبِوُجُودِهَا حُصُولُ الْخَيْرَاتِ وَنِظَامُهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِيمًا فِي حَالَتِهِ ضَاعَ سَعْيُهُ وَخَابَ جُهْدُهُ. قَالَ: وَقِيلَ: الِاسْتِقَامَةُ لَا يُطِيقُهَا إِلَّا الْأَكَابِرُ لِأَنَّهَا الْخُرُوجُ عَنِ الْمَعْهُودَاتِ وَمُفَارَقَةُ الرُّسُومِ وَالْعَادَاتِ(2)، وَالْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَقِيقَةِ الصِّدْقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا"(3). وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ: الْحَوْصَلَةُ الَّتِي بِهَا كَمُلَتِ الْمَحَاسِنُ، وَبِفَقْدِهَا قَبُحَتِ الْمَحَاسِنُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
______
(1) رواه الترمذي (3297)، وابن أبي شيبة (30268)، والطبراني في الكبير (790) والحاكم (3314)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ومختصر الشمائل (35)، والصحيح (955).
(2) الرسوم: الهيئة، والمعهود: أي الذي تعود عليه الإنسان، فيلزمه في بعض الأحوال مخالفة المعهود ويفارق الرسوم والعادات، فالإنسان ربما يحتاج إلى السفر وربما يحتاج أن يأكل طعامًا غير طعامه أو يلبس غير لباسه وينام غير منامه، فذلك إذا سافر في الجهاد أو في الحج أو في طلب العلم أو في وجوه الطاعات المختلفة، فالإنسان أسير العادة والذي لا يستطيع الخروج عن المألوف لن يستطيع أن يستقيم.
(3) أي لن تستطيعوا إحصاء الطاعات والجمع بينها؛ لأن كل ابن آدم خطاء، والحديث رواه أحمد (22436)، وابن ماجة (227)، ومالك (36)، والدارمي (681)، والحاكم (447)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة وصحيح الجامع (952).