شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 262
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
(باب بَيَانِ تَحْرِيمِ إِيدَاءِ الْجَارِ) (١)
قَوْلُهُ ﷺ: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)
الْبَوَائِقُ جَمْعُ بَائِقَةٍ وَهِيَ الْغَائِلَةُ وَالدَّاهِيَةُ وَالْفَتْكُ.
وَفِي مَعْنَى "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ" جَوَابَانِ يَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مَا أَشْبَهَ هَذَا:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَسْتَحِلُّ الْإِيدَاءَ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهِ؛ فَهَذَا كَافِرٌ لَا يَدْخُلُهَا أَصْلًا (٢).
وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ جَزَاؤُهُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا وَقْتَ دُخُولِ الْفَائِزِينَ إِذَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا لَهُمْ، بَلْ يُؤَخَّرُ ثُمَّ قَدْ يُجَازَى، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ فَيَدْخُلُهَا أَوَّلًا (٣).
وَإِنَّمَا تَأَوْلَنَا هَذَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ لِأَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ فَهُوَ إِلَى اللَّه تَعَالَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَفَا عَنْهُ فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ أَوَّلًا، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ ثُمَّ أَدْخُلَهُ الْجَنَّةَ (٤). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
______
(١) وأنه كبيرة من الكبائر.
(٢) وهذا أضعف الوجوه؛ لأن الحديث لم يقل: «لا يدخل الجنة من يستحل»؛ لأنه لو استحل الإيداء سواء كان فاعلًا له أو غير فاعلا فهو كافر؛ لأن الاستحلال -دون أن يفعله- كفر.
(٣) أولا: أي دون أن يدخل النار، وهناك تأويلات أخرى مثل: لا يدخل الجنة التي أعدت لمن لم يفعل هذا الذنب؛ لأنها جنان وليست جنة واحدة.
(٤) فهذا تأويل بسبب، نعم هو خلاف ظاهر الحديث لكن له دليله، وهذا الكلام الذي ذكر أنه مذهب أهل الحق دليله الكتاب والسنة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فالتأويل المستوفي للشروط: تأويل صحيح ينبغي القول به، وقد كره بعض السلف هذه التأويلات لهذه الأحاديث من باب الترهيب وليس من باب الاعتقاد أنه يدخل النار مخلدًا فيها ولا يدخل الجنة أبدا، كبعض المتأخرين حين كتب في هذا الموضوع ونقل كلام سفحيان وغيره في كراهية تأويل مثل هذا ويقول: تمر كما جاءت، فإمرارها كما جاءت من باب الترهيب ولكن لا خلاف بين السلف في أمر الاعتقاد وأن هذه ذنوب لا تكفر صاحبها، فإيذاء الجار محرم وكبيرة من الكبائر لكنه ليس مخرجًا من الملة باتفاق العلماء.