شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

شرح صحيح مسلم

الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 274

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّاهِي أَنْ يَكُونَ كَامِلَ الْحَالِ مُمْتَثِلًا مَا يَأْمُرُ بِهِ مُجْتَنِبًا مَا يَنْهَى عَنْهُ(1)، بَلْ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ مُخِلًّا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ، وَالنَّهْيُ وَإِنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَا يَنْهَى عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ وَيَنْهَاهَا، وَيَأْمُرَ غَيْرَهُ وَيَنْهَاهُ، فَإِذَا أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا كَيْفَ يُبَاحُ لَهُ الْإِخْلَالُ بِالْآخَرِ؟ (2).

وَهُمْ مُنْكَسِرُونَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى خَطَأٍ أَفْضَلُ وَأَخَفُّ شَرًّا مِنِ إِقْدَامِهِمْ عَلَيْهِ وَهُمْ مُسْتَحِلُّونَ لَهُ أَوْ ظَانِّينَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى صَوَابٍ وَحَقٍّ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُودٌ بِأَنْ مَهْمَا ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْمَحَلَّةِ إِلَّا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ يَفْعَلُهَا النَّاسُ وَهُمْ مُنْكَسِرُونَ، فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ لِأَحَدِهِمُ اتَّقِ اللَّهَ، اعْتَرَفَ بِخَطَأِهِ، وَهَذَا أَبْعَدُ عَنِ الِاسْتِحْلَالِ، وَبِهِ يُبْعِدُ النَّاسُ عَنِ الْكُفْرِ بِالْفِعْلِ، وَبِهِ يَقِلُّ الْفَسَادُ وَالشَّرُّ.

وَلَكِنْ قَدْ يَتَصَوَّرُ أَلَّا تَنْفَعَ الذِّكْرَى كَعِنْدَ الْمُنَافِقِينَ وَالزَّنَادِقَةِ وَمَنِ اسْتَهْزَأَ بِأَهْلِ الْحَقِّ وَأَعْرَضَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: 29]، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: 54]، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات: 174] فَالَّذِي تَكَرَّرَ عَلَيْهِ النَّصِيحَةُ وَهُوَ لَا يَزْدَادُ إِلَّا اسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيَةً وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَبَعْضُهُمْ قَدْ يَكُونُ كَافِرًا أَصْلًا وَبَعْضُهُمْ قَدْ يَكُونُ عَاصِيًا جَاهِلًا لَكِنْ يَسْخَرُ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ لِجَهْلِهِ، فَمِثْلُ هَذَا لَا حَرَجَ عَلَى الْإِنْسَانِ وَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهُ وَيَنْشَغِلَ بِغَيْرِهِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْوُجُوبُ بِلَا شَكٍّ بِالْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ، فَالْإِعْرَاضُ عَنْ هَذِهِ النَّوْعِيَّةِ وَالِانْشِغَالُ بِغَيْرِهَا أَوْلَى، وَبِالْأَوْلَى يَسْقُطُ هَذَا الْوَاجِبُ عَمَّنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ هُوَ لَا يَنْتَفِعُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِشَيْءٍ.

وَالْمُعْرِضُ عَنِ الذِّكْرِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتَاهُ الذِّكْرُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ أَبَدًا، فَالْمَسْأَلَةُ فِيمَنْ كُرِّرَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَهُوَ مُصِرٌّ، وَظَهَرَ إِعْرَاضُهُ، وَهَذَا الْإِعْرَاضُ لَنْ يَظْهَرَ إِلَّا إِذَا تَكَرَّرَ الْأَمْرُ، فَعَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ فَلَوْ رَأَيْتَ مَنْ أَنْكَرَ عَلَى عَاصٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَهُوَ يَزْدَادُ إِعْرَاضًا فَهَهُنَا لَا يَلْزَمُنِي أَنَا الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ أُخْرَى.

______

(1) هَذَانِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ كَامِلُ الْحَالِ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْعَدَالَةُ وَالثَّانِي: فِي الْفِعْلِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ مُمْتَثِلًا مَا يَأْمُرُ بِهِ مُجْتَنِبًا مَا يَنْهَى عَنْهُ، وَالثَّانِيَةُ خُصُوصِيَّةٌ فِي الْأُولَى، وَالْبَعْضُ يَظُنُّ أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْمُرُ بِالْوَاجِبِ الَّذِي يَفْعَلُهُ وَيَنْهَى عَنِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَا يَفْعَلُهَا وَالَّتِي يَفْعَلُهَا لَا يُنْكِرُهَا، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ كَامِلَ الْحَالِ أَوْ نَاقِصَ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُمْتَثِلًا أَوْ غَيْرَ مُمْتَثِلٍ، بَلْ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ مُخِلًّا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ، وَعَلَيْهِ النَّهْيُ وَإِنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَا يَنْهَى عَنْهُ، كَمَا يُقَالُ: «حَقٌّ عَلَى شَارِبِي الْكُؤُوسِ أَنْ يَتَنَاهَوْا فِيمَا بَيْنَهُمْ».

(2) إِذَا مَا الْقَوْلُ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ، كَحَدِيثِ: أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ».

الصفحة السابقة الصفحة التالية