شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

شرح صحيح مسلم

الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 305

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

قَالَ: وَأَمَّا مَا ذَكَرَ مِنَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ فَالْفِقْهُ هُنَا عِبَارَةٌ عَنِ الْفَهْمِ فِي الدِّينِ، وَاصْطَلَحَ بَعْدَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ وَأَصْحَابُ الْأُصُولِ عَلَى تَخْصِيصِ الْفِقْهِ بِإِدْرَاكِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَعْيَانِهَا(1).

وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فَفِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ مُضْطَرِبَةٌ قَدِ اقْتَصَرَ كُلٌّ مِنْ قَائِلِيهَا عَلَى بَعْضِ صِفَاتِ الْحِكْمَةِ، وَقَدْ صَفَا لَنَا مِنْهَا أَنَّ الْحِكْمَةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعِلْمِ الْمُتَّصِفِ بِالْإِحْكَامِ، الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الْمَصْحُوبِ بِنَفَاذِ الْبَصِيرَةِ وَتَهْذِيبِ النَّفْسِ، وَتَحْقِيقِ الْحَقِّ، وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالصَّدِّ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْبَاطِلِ. وَالْحَكِيمُ مَنْ لَهُ ذَلِكَ(2).

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ: كُلُّ كَلِمَةٍ وَعَظَتْكَ، وَزَجَرَتْكَ، أَوْ دَعَتْكَ إِلَى مَكْرُمَةٍ، أَوْ نَهَتْكَ عَنْ قَبِيحٍ، فَهِيَ حِكْمَةٌ وَحَكَمٌ(3). مِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً" وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ حُكْمًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الشَّيْخُ وَقَوْلُهُ ﷺ: (أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً) الْمَشْهُورُ أَنَّ الْفُؤَادَ هُوَ الْقَلْبُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَرَّرَ لَفْظَ الْقَلْبِ بِلَفْظَيْنِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَكْرِيرِهِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: الْفُؤَادُ غَيْرُ الْقَلْبِ، وَهُوَ عَيْنُ الْقَلْبِ، وَقِيلَ: بَاطِنُ الْقَلْبِ، وَقِيلَ: غِشَاءُ الْقَلْبِ(4).

______

(1) هَذَا اصْطِلَاحٌ، أَمَّا الْفِقْهُ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ الْفَهْمُ فِي الدِّينِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (71)، وَمُسْلِمٌ (1037) مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ فَقِيهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَعَمَلٍ، وَالْفِقْهُ شَرْعًا أَوْسَعُ مِنَ الْفِقْهِ اصْطِلَاحًا، وَقَوْلُنَا: دِرَاسَةُ الْفِقْهِ يُرَادُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْعَمَلِيَّةُ وَالْفِقْهُ شَرْعًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِدُونِ اعْتِقَادٍ وَتَوْحِيدٍ صَحِيحٍ.

(2) وَهَذَا وَصْفٌ جَامِعٌ مِنَ ابْنِ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

(3) كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12] فَالْحُكْمُ بِمَعْنَى الْحِكْمَةِ، وَمَعْنَاهَا الْفَهْمُ فِي الدِّينِ وَالْعَمَلِ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ التَّفْسِيرِ (216/6) ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أَيْ: «الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ وَالْجِدَّ وَالْعَزْمَ وَالْإِقْبَالَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْإِنْكِبَابَ عَلَيْهِ وَالِاجْتِهَادَ فِيهِ وَهُوَ صَغِيرُ حَدَثُ السِّنِّ».

(4) الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.

الصفحة السابقة الصفحة التالية