شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

شرح صحيح مسلم

الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 311

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

مَعْنَاهُ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُكُمْ وَلَا يَصْلُحُ حَالُكُمْ فِي الْإِيمَانِ إِلَّا بِالتَّحَابِّ(١). وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا» فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِطْلَاقِهِ فَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَامِلَ الْإِيمَانِ، فَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ(٢). وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُكُمْ إِلَّا بِالتَّحَابِّ، وَلَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عِنْدَ دُخُولِ أَهْلِهَا إِذَا لَمْ تَكُونُوا كَذَلِكَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَلٌ(٣). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

______

(١) «يَكْمُل» هُنَا مَعْنَاهُ الْكَمَالُ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْإِيمَانِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِلْكَمَالِ الْمُسْتَحَبِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَجَازَ أَنْ يُنْفَى الْإِيمَانُ عَنِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْمَلُ إِيمَانًا مِنْهُ، فَلَوْ صَحَّ أَنْ يُنْفَى الْإِيمَانُ مُطْلَقًا وَيُقَالَ: «لَا تُؤْمِنُ» أَوْ «لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ» مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ لَصَحَّ أَنْ يُنْفَى الْإِيمَانُ عَنِ الْأُمَّةِ وَيُقَالَ: أُمَّةٌ لَيْسَتْ بِمُؤْمِنَةٍ، يَعْنِي الْإِيمَانَ الْمُسْتَحَبَّ الَّذِي عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مَثَلًا، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ، لِذَلِكَ نَفْيُ الْإِيمَانِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِأَصْلِ الْإِيمَانِ وَهَذَا فِي الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ الْأَكْبَرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِكَمَالِهِ الْوَاجِبِ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِ نَفْيِ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ دَالًّا عَلَى وُجُوبِ الصِّفَةِ الَّتِي نُفِيَ الْإِيمَانُ عَمَّنْ فَقَدَهَا، أَوْ عَلَى تَحْرِيمِ الْفِعْلِ الَّذِي نُفِيَ الْإِيمَانُ عَنْ فِعْلِهِ، بِمَعْنَى أَنَّا لَوْ قُلْنَا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. فَهَذِهِ دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْوَجَلِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَزِيَادَةِ الْإِيمَانِ عِنْدَ سَمَاعِ آيَاتِ اللَّهِ، فَهَذِهِ خِصَالٌ وَاجِبَةٌ، وَإِنَّمَا تُفِيدُ الْحَصْرَ؛ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى «لَا وَإِلَّا» فَلَا يُؤْمِنُ إِلَّا مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَسْتَلِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢٤٧٥)، وَمُسْلِمٌ (٥٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] فَنَفْيُ الْإِيمَانِ هُنَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الصِّفَةِ الَّتِي نُفِيَ الْإِيمَانُ عَمَّنِ ارْتَكَبَهَا، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى تَحْرِيمِ الزِّنَا بَلْ رُبَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ.

(٢) يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ مَنْ كَانَ كَامِلَ الْإِيمَانِ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَا أَصَابَهُ مِنْ نَقْصٍ عَنْ ذَلِكَ.

(٣) بَلْ هَذَا الْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ يَقُولُ: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَامِلَ الْإِيمَانِ»، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ كَامِلَ الْإِيمَانِ هُوَ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ وَلَا يَكْمُلُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِالتَّحَابِّ، وَلَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حِينَ يَدْخُلُهَا أَهْلُهَا إِذَا لَمْ تَكُونُوا كَامِلِي الْإِيمَانِ، فَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ أَظْهَرُ.

الصفحة السابقة الصفحة التالية