شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 46
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
* وَحَدِيثُ "الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ": رَوَاهُ أَبُو حَازِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ إِنْ صَحَّ سَمَاعُ أَبِي حَازِمٍ مِنْ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: [إِنَّمَا جَعَلَهُمْ ﷺ مَجُوسًا لِمُضَاهَاةِ مَذْهَبِهِمْ مَذْهَبَ الْمَجُوسِ فِي قَوْلِهِمْ بِالْأَصْلَيْنِ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخَيْرَ مِنْ فِعْلِ النُّورِ، وَالشَّرَّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ، فَصَارُوا فَصَارُوا ثَنَوِيَّةً. وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ يُضِيفُونَ الْخَيْرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالشَّرَّ إِلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ ﷺ خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُمَا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ(١)، فَهُمَا مُضَافَانِ إِلَيْهِ ﷺ خَلْقًا وَإِيجَادًا وَإِلَى الْفَاعِلَيْنِ لَهُمَا مِنْ عِبَادِهِ فِعْلًا وَاكْتِسَابًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ].
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ مَعْنَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ إِجْبَارُ اللَّهِ ﷻ الْعَبْدَ وَقَهْرَهُ عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ(٢)، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَتَهَمَّوْنَهُ.
وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: الْإِخْبَارُ عَنْ تَقَدُّمِ عِلْمِ اللَّهِ ﷻ بِمَا يَكُونُ مِنْ اكْتِسَابِ الْعَبْدِ وَصُدُورِهَا عَنْ تَقْدِيرٍ مِنْهُ وَخَلْقٍ لَهَا خَيْرِهَا وَشَرِّهَا(٣).
______
(1) فنحن نؤمن بالقدر خيره وشره، أي ما خلق الله وقدره من الخير وما خلق الله وقدره من الشر، نسبة الشر للقدر في (وشره) أي شر القدر: أي الشر الذي قدره الله.
(2) لو استعمل لفظ «الإكراه» بدلًا من الإجبار والقهر لكان أفضل، فإنه لا يححسن إنكار أن الله قد قهر عباده، فيقصد الإمام أنه يجعلهم يفعلون بلا إرادة فيجعلهم الله مكرهين على الفعل، وليس الأمر كما يتوهمون. فلفظ الجبر والقهر: مذكورين في تفسير اسمه الجبار القهار، فهو ﷺ قهر عباده وعند أهل السنة ليس معناه الذي أكرهه العباد أو ألغى إرادتهم بل معناه: جبر العباد على ما أراد، وجبر القلوب على فطرته شقيها وسعيدها، جعلهم الله يفعلون بإرادتهم ما أراد ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]، وفي هذا رد على الجبرية في إلغاء إرادة ومشيئة العبد، وتعبير عن ذلك بالإكراه أولى الألفاظ، وذلك لأنه لم يرد أن الله أكره عباده، وإنما ورد أن الله قهر عباده، ومقصود الخطابي نفي قول الجبرية بنفي إرادة العبد.
(3) لم يذكر المشيئة لأن من يثبت الخلق يثبت المشيئة.