الإلحاد للمبتدئين
هشام عزمي • العقيدة والتوحيد • ص 108
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
تأتي لتحديد على المستقبل، وبما أن علم الإنسان محدود علميا، فإنه يحسن بنا أن نضيق في هذا الأمر، وإذا استقر وجود الله وحقيقة صفاته، وثبت بالبرهان القاطع عقلا أن الله سبحانه وتعالى لا يفعل إلا الخير، وأنه إن قدر شرا فلحكمة بالغة وخير أكبر وأعظم، فإنه يحسن بالمؤمن أن يقطع بأن هذا الشر -سواء علمنا وجه الحكمة فيه أو لم نعلمها- له تفسير إلهي عليا سواء علمناها أو لم نعلمها، وأنه قد يكون فيه خير أو أن الشر يقصد به خير، وأنه ليس هناك شر محض إطلاقا (9)، يقول (ابو الفداء): وبيان ذلك أنه من المحال عقلا أن يثبت الملحد أن كل شر لا خير فيه أو أن الشر ليس له مصلحة، ودور الملحد هنا هو أن يثبت بدليل قطعي ضروري أن هذا الشر الموجود في العالم ليس فيه فعلا من حكمة أو مصلحة، بل إنه لا يوجد إنسان يستطيع أن يحيط بكل النتائج والمستقبل والتوابع والأسباب لكل أمر من الأمور، فضلا عن أن يحيط بكل أحداث العالم، فكيف يستطيع ملحد حتى ولو كان في قمة العلم والذكاء أن يثبت أن فعلا ما أو أمرا ما هو شر محض لا خير فيه أو أن فيه شرا لا مصلحة وراءه، وأن الله قادر على خلقه بدون شر، وهو لا يعلم كل عواقب الأمور وتوابعها ومستقبلها، فكيف يثبت عقلا أن هذا الشر لا مصلحة فيه ولا حكمة؟ هذا خطأ فادح يقع فيه الملحد، فإثبات النفي المطلق يحتاج إلى علم محيط بكل شيء، وإلا فمن لم يعلم شيئا ليس له أن ينفيه، ومن لم يحيط بالكل ليس له أن يحكم على الجزء بأنه شر محض لا خير فيه.
بل إن المزغ قد يعجز من إثبات مثل هذا الأمر، وبما أن علم الإنسان قاصر وعلمه محيط بالجزء ومحدود عن الكل، فإنه يتعين على المؤمن أن يرد علم الجزئي المجهول إلى الكلي المعلوم، وهو ما تقرر عندنا بضرورة وجود الله وعلمه وحكمته المطلقة، فإذا تعرض المؤمن لمشاهد الألم الشديد أو صور الظلم القاسي أو الشرور المفجعة في حياة البشر، فإنه لا يتعرض لتلك المفردات الدقيقة بمعزل عن الأصل الكلي، بل يردها إليه، ولا يجعل جهله بحكمة تفصيل ذلك الشر ذريعة للطعن في حكمة الخالق أو لشك في عدله، وإنما يجعله دليلا على قصور علمه وعجزه عن الإحاطة بالأسرار الإلهية، وهذا هو المنهج العلمي السليم والمنطق العقلي القويم.
[ص: 87]
______
(9) انظر: المنهاج في الإيمان، ص 50.
