شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 122

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

كفرًا أكبر لا تقبل صلاته لا أربعين ولا فوق ذلك، وإن كان هذا محمولًا على ادعاء الغيب النسبي -أي: الذي يعلمه بعض الناس من الأمور التي وقعت- لا الغيب المطلق؛ وهي مفاتيح الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله، فإن من ادعى علم شيء منها جازمًا بذلك؛ فلا شك في كفره؛ لتكذيبه نص القرآن: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩].

أما الإلهام الذي يقع في قلب المؤمن، وكذا الفراسة، فليس من هذا الباب، فالمؤمن لا يجزم أبدا بأن غدًا يقع كذا، ولا يبني على إلهامه حكمًا، بل الأحكام تُبنى على ظاهر الشرع، وقد يكون ما يقع في نفسه باطلا، ويظنه إلهامًا صادقًا.

فلا معصوم بعد النبي ﷺ، وإذا كان سيد الملهمين من هذه الأمة: عمر بن الخطاب رضي الله عنه -الملهم بنص الحديث- قد خَفِيَتْ عليه أشياء، ووقع في قلبه أشياء خالف فيها الحق، كما وقع منه في صلح الحديبية؛ فعمل لها أعمالًا تكفيرًا لما قال، ولم يحتج على أحد من الصحابة رضي الله عنه -قط- بأنه ملهم؛ ليقبلوا قوله بلا دليل، فأما من يدعي الولاية، ويستدل عليها بما يدعيه من الكشف عن المغيّبات، وحاله أبعد شيء عن صفة الولاية، من الإيمان، والتقوى، والتزام السُنَّة ظاهرًا وباطنًا -فإن هذه أهم صفات الأولياء-، فهو من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن؛ وقد يُظْلِعُهُ قرينه من الجن على بعض الغيب النسبي فيما وقع واطلعوا عليه هم من حيث لا نراهم؛ ليلبسوا على العوام والجهلة، وكل هذا من الكهانة.

وليحذر أيضًا في هذا الباب ما قد يخبر به الجن على لسان المصروعين؛ فإن أقل أحوال هؤلاء الجن الفسق فضلًا عن الكفر، فلا يصح تصديقهم ورواية أخبارهم على أنها حق، ولا يجوز سؤالهم عن المغيّبات، ولا طلب شيء منهم، وإنما المشروع دعوتهم إلى الله، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وهذه سيرة السلف الصالح رضي الله عنهم في هذه الأمور، لا يعرف عن أحد منهم قط أنه سأل الجني عن شيء، أو طلب منه قضاء شيء من حاجته، مثل هلاك عدو، أو نحوه.

وما أحسن ما قاله سواد بن قارب، لعمر رضي الله عنه حين سأله: «هل يأتيك رئيُّك الآن؟ فقال: منذ قرأتُ القرآنَ لم يأتني، ونعم العِوَضُ كتاب الله عز وجل من الجن»(١). مع أن هذا الجني هو

______

(1) رواه البيهقي في «الدلائل» (٢/ ٢٥١) بهذا اللفظ، وأصل القصة رواها البخاري (٣٨٦٦) مختصرة بدون ذكر اسم سواد بن قارب.

الصفحة السابقة الصفحة التالية