المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 124
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فصل في التوسل
فالوسيلة لغةً(١): ما يتوصل به إلى الشيء، ولها معنى آخر وهو: المنزلة والدرجة والقربة، وكلا المعنيين صحيح شرعًا.
قضية التوسل من القضايا المهمة التي وقع فيها خلافٌ بين المتأخرين، والتوسل هو: اتخاذ وسيلة توصل الإنسان إلى ما يريد، وقد ورد لفظ الوسيلة في القرآن في قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ٣٥]، وفي قوله تعالى في الرد على المشركين الذين يدعون غير الله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء: ٥٧].
وهي في هاتين الآيتين باتفاق أهل العلم بمعنى القربة، نقله ابن كثير في تفسيره عن: ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد، وقال: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. اهـ(٢).
﴿ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ﴾ أي: يتقربون إليه، وذلك من علامات حبهم العظيم لله جل وعلا؛ فالذي يتقرب إلى الله، ويبتغي أن يكون قريبًا من الله لابد أنه يحبه جل وعلا.
ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ»(٣)، فالوسيلة بمعنى المنزلة مأخوذة من القُرْب؛ لأن القريب من الملك أو العظيم له منزلة قريبة منه، فهذه الوسيلة اسم لدرجة في الجنة، هي أقرب المنازل وأرفع المنازل عند الله عز وجل، لا تنبغي إلا لعبد واحد وقد رجا النبي ﷺ أن يكون هو ذلك العبد، نسأل الله له الوسيلة.
______
(١) قال في «لسان العرب»: «الوسيلة: المنزلة عند الملك»، والوسيلة: الدرجة. والقربة... وتوسل إليه بوسيلة: إذا تقرب إليه بعمل... والوسيلة: الوصلة والقربى». أه. باختصار.
(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٥).
(٣) رواه مسلم (٣٨٤).
