المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 186
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
أما إذا كان بعيدًا عن أعيادهم فليس هذا بمحرم، فهذا الباب -البر والصلة- خطير جدًا، وقد قال جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، فانظر كيف جعل الطاعة محرمة، وقال: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، وهذا ليس في الشرك فقط، بل في الشرك والمعاصي وكل محرم، وأمر بالصحبة بالمعروف، فالصحبة بالمعروف والإحسان والصلة مأمور بها، وأما الطاعة فمنهي عنها، فالخلط بين الأمرين خطأ كبير (١).
## 4- ومما يجوز أيضًا من المعاملات: عيادة المريض الكافر: لدعوته إلى الإسلام
______
(1) وقد قال النبي ﷺ: «لَا تَبْتَدِؤُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» [رواه مسلم (٢١٦٧)]، لأنه ليس له أن يكون عزيزًا في بلاد الإسلام، أما أن أحسِن إليه فما المانع؟ هذا أمر محدد أن أضطره إلى أضيق الطريق ما أمكن ذلك في بلاد الإسلام، وألا أبدأه بالتحية؛ لأن ذلك إعظام وتكريم؛ أما رد تحيته فقط فلا تعارض الإحسان إليه وعدم إعزازه، فهذا فعل وهذا فعل آخر، فأنا أطعمه إذا كان جائعًا، وأقرضه إذا كان محتاجًا، وأعالجه إذا كان مريضًا، فمنقول عن صلاح الدين أنه كان يُمَرِّضُ بعض ملوك الكفار ولم يُنكر العلماء في زمنه وإلى زماننا عليه ذلك فهذا ليس بممنوع؛ بل هو يريد استبقاء الكافر لمصلحة، فكما أنه يجوز المنّ عليه بدلًا من قتله؛ فكذلك يجوز أن أعالجه مريضًا، فليس هناك تعارض.
والظاهر -والله أعلم- أنه لا يجوز البدء بالتحية مطلقًا، لا بتحية بالإسلام ولا بغيرها، وإنما أمر الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام أن يقولا: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، وهكذا فعل النبي ﷺ؛ فكان إذا راسل ملوك الكفار قال: «سلام على من اتبع الهدى... أما بعد»، ولم يسلم عليهم، ولم يبدأهم بتحية الإسلام ولا بغيرها، وهذا دليل على أن التحية تكون على من اتبع الهدى وهو الإسلام، لأن التحية تكريم وتعظيم فلا يجوز أن يكون الكافر أهلاً لذلك.
* يجوز إلقاء السلام على جمع من الكفار فيهم مسلم، وينوي بذلك المسلم، لأن النبي ﷺ مرّ على مجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وأهل كتاب، فسلم عليهم، وذلك قبل إسلام عبد الله بن أبي بن سلول، فدل ذلك على جواز إلقاء السلام على المجموع؛ ولذلك لو وجدنا مسلمًا بينهم لجاز لنا التسليم ننوي بذلك المسلم، وأما إذا كان الجميع كفارًا؛ فلا يجوز، بل ندعهم يبدؤون بالتحية ثم نرد نحن، أو نقول: سلام على من اتبع الهدى، وأما قول: كيف أنت؟ فمن المحتمل أن يكون تحية؛ فالأولى اجتنابه.
* إذا كان قبول الهدية يؤدي إلى دفع مفسدة ظالم مثلًا، ولو لم أقبل هديته لظلمني وظلم غيري من المسلمين، فلا مانع من تحصيل هذه المصلحة كذلك.
* مسألة: هل يجوز أثناء الحروب مع الكفار رعاية بعضهم، وحماية بعضهم من بعض؟ ذلك حسب مصلحة المسلمين، فلو أن قائدًا كافرًا شديد العداوة للمسلمين قاتل قائدًا آخر فيه مودة وميل للمسلمين، ولو تغلب الشديد العداوة لأضر بالمسلمين، فلا مانع من أن نساعد ذا الميل للمسلمين عليه، حسب مصلحة المسلمين في ذلك، دون أن نقاتل تحت رايتهم.
