المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 185
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وهناك فرق بين البر والصلة والعدل مع الكفار بشرع الله، وبين المحبة والموالاة التي هي من أعمال القلوب أصلًا؛ لذلك لا يجوز أن يُستدل بالإهداء وقبول الهدية مثلًا على الموالاة؛ لأنني من الممكن أن أُعطي من أكرَه، ويمكن أن أقبل الهبة ممن أبغض وأعادي.
ولذلك ورد النهي عن قبول الهبة إذا كان الكافر يتوصل بذلك إلى الموالاة، كما ثبت في «سنن الترمذي» بسند صحيح أن النبي ﷺ رد هدية كافر، فَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ هَدِيَّةً أَوْ نَاقَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَسْلَمْتَ؟»، قَالَ: لَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَإِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبَدِ الْمُشْرِكِينَ» (١)، يعني عن عطايا المشركين.
وفي الجمع بين هذا الحديث وبين الأدلة على أن النبي ﷺ اتَّهَبَ -أي: قبل هبة- من الكفار، كما قال للرجل المشرك: «أبيع أم هبة؟»، وَبَعَثَ صَاحِبُ أَيْلَةَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ بِكِتَابٍ وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا، إِثَابَةً عَلَى الْهَدِيَّةِ(٢)، وقَبِلَ هدية المقوقس: مارية القبطية، أي: المصرية(٣).
فالرسول ﷺ قَبِلَ الهبات من الكفار وردّ بعضها فلم يقبلها كما ذكرنا، فالجمع بين ذلك: أن الذي يريد من الكفار بهديته الموالاة يمتنع المسلم من قبول هديته، ومن يريد المسلم أن يؤلف قلبه ويرجو إسلامه بقبول هبته أو بالهبة له أو يهب له تقليلًا لشره أو بيانًا للإحسان، فيشرع له أن يهبه وأن يقبل هبته؛ والأمر يختلف باختلاف الأحوال؛ فتنبه.
فلا يجوز أن يقبل المسلم الهدية التي يهديها المشرك له في يوم عيد الكفار، لأن ذلك تعظيم للعيد واحتفال به، أما إذا أُهدِيَ له هدية بمناسبة زواج أو عيد المسلمين مثلًا فيجوز قبولها بشرط ألا يكون ذلك دافعًا للمسلم أن يهدي له في عيد، بل قد قال بعض العلماء: من أهدى لهم زهرة في عيدهم فقد كفر، وهذا الكلام وإن كان شديدًا جدًا ولكن الغرض منه التشديد على من يهدي لهم في عيد هدية، فهو من التشبه والفرح بعيدهم وتعظيمه والمعاونة عليه، وهو من المتابعة على الباطل فدخل في الموالاة المحرمة (٤).
______
(1) صحيح: رواه أبو داود (٣٠٥٧)، والترمذي (١٥٧٧)، وأحمد (١٧٠٢٨)، وصححه الألباني.
(2) رواه البخاري (١٤٨٢)، ومسلم (١٣٩٢).
(3) التي صارت مسلمة، فكلمة قبطية يعني مصرية وليست بالضرورة نصرانية، وهي أم ولد النبي ﷺ لم تكن زوجة له ﷺ. قال في «المعجم الوسيط»: «القِبْط: كلمة يونانية الأصل بمعنى سكان مصر».
(4) راجع كتاب «تنبيه الخسيس على حرمة التشبه بأهل الخميس».
