المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 251
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
نوع إنكار للرغبة في النعيم الحسي والمعنوي في الجنة، وهي كلمات باطلة، كقولهم: «اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني أعبدك طمعًا في الجنة فاحرمني منها، وإن كنت تعلم أني أعبدك خوفًا من النار فأدخلني فيها».
وهذا من الضلال المبين، وهو كلام منسوب إلى رابعة العدوية، والله أعلم هل قالته أم لا؟ ولا يشغلنا القائل بقدر ما يشغلنا التحذير من هذا الكلام الفظيع، فالله عز وجل قال عن آل زكريا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٧-٢٨].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِرَجُلٍ: «كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟» قَالَ: أَتَشَهَّدُ، وَأَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ»١، وكان أكثر دعاء النبي ﷺ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»٢، فلا يجوز أن يقال: إنه لا يُطلب النعيم الحسي والمعنوي.
ولا يتصور الانفصال بين النعيم بالله عز وجل بالنظر إلى وجهه وسماع كلامه والقرب منه، وبين النعيم الحسي، فلا يصح أن يقول قائل: إني لا أريد الجنة وإنما أريد الله، أو قول القائل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، يقول: والجنة أحد، ولا يصح قول القائل: إن من الشرك أن أطلب الجنة؛ فهذا ضلال مبين؛ فهل يُقال: إن النبي ﷺ وأصحابه يشركون إذاً؟!، وهل آل زكريا مشركون إذاً؟!
فهذا كلام كفر، وليس هناك انفصال بين الأمرين، فلن يتنعم أحدٌ بالنظر إلى وجه الله تعالى إلا إذا كان من أهل الجنة، وقد جعل الله تعالى في الجنة جميع أنواع النعيم الحسي؛ كالفاكهة، ولحم الطير، والماء المسكوب، والطعام والشراب والنساء، وسائر ما ذكر الله عز وجل من النعيم الحسي.
______
(١) صحيح: رواه أبو داود (٧٩٢)، وأحمد (١٥٤٦٨)، وصححه الألباني في تحقيقه لـ «سنن أبي داود».
(٢) رواه البخاري (٦٣٨٩).
