شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 250

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

وقوله تعالى عن الجنة وأهلها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾(١) [النساء: ٥٧].

◆ والمسألة الثالثة من الإيمان بالجنة والنار: الإيمان بأنواع النعيم الحسي والنعيم المعنوي في الجنة، وأنواع العذاب الحسي والمعنوي في النار؛ لأن بعض الناس يقول: إن العذاب في النار عذاب معنوي، والنعيم في الجنة نعيم معنوي، وإنه ليس فيها طعام ولا شراب، ولا أنهار حقيقية من خمر وعسل ولبن وماء، وإنما رغبنا الله عز وجل في شيء نحبه ولن يعطينا إياه!! وهذا كفر.

وكقول بعض الكفار: أتظنون أن العذاب الذي أخبره الله به في النار حقيقي بهذه الطريقة؟! لا، إنما هو كقولك لابنك: أطعني وإلا سأحرقك بعود الثقاب، وأنت لن تحرقه؛ ولن تفعل شيئًا من ذلك. وهذا كلام كفر وقد قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، وهذا الكلام -العذاب والنعيم المعنوي- في الأصل كلام النصارى؛ كما قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، روى البخاري في صحيحه في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٤]، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ هُمُ الْحَرُورِيَّةُ؟ قَالَ: لَا، هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؛ أَمَّا الْيَهُودُ: فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ، وَأَمَّا النَّصَارَى: فَكَفَرُوا بِالْجَنَّةِ وَقَالُوا: لَا طَعَامَ فِيهَا وَلَا شَرَابَ٢.

فالذين كفروا بالطعام والشراب في الجنة فقد كفروا بالجنة، والصوفية أيضًا عندهم

______

(١) وكذلك قول النبي ﷺ: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ». [رواه البخاري (٤٨٤٨)، ومسلم (٢٨٤٨)]، ينزوي: أي ينضم بعضها إلى بعض، وتقول: قد اكتفيت، وأما الجنة فلا يزال فيها فضل؛ فيخلق الله عز وجل خلقًا فيسكنهم إياها، فالجنة لا تمتلئ بأهلها أبدًا. فمن عدل الله عز وجل أنه لا يخلق خلقًا يسكنهم النار عندما تقول: «هل من مزيد»، ولكن يضع قدمه فيها عز وجل، فلن ينجينا منها إلا الله تبارك وتعالى، فهي عندما تطلب الزيادة ويلقى فيها فتطلب الزيادة أيضاً، فمعناه أن الخطر لم يزل بعد، بل ما زال موجودًا؛ لأنها مادام تطلب فلابد أن تملأ، حتى تكتفي؛ لأن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «إِنَّكِ الْجَنَّةُ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا». [رواه البخاري (٧٤٤٩)، ومسلم (٢٨٤٧)]، فلن ينجينا منها إلا الله عز وجل والإيمان بصفاته عز وجل؛ لذلك فالذين لا يؤمنون بصفة القدم على خطر عظيم؛ لأن الله عز وجل يضع قدمه على النار، فعند ذلك تكتفي.

(٢) رواه البخاري (٤٧٢٨).

الصفحة السابقة الصفحة التالية