المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 69
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
الحب، قد أنساهم حبه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به ممن سواه، قد فنوا بحبه عن حب من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره، فإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه ومولاه، واجتمع همه عليه متذكرًا صفاته العلى وأسماءه الحسنى، مشاهدًا له في أسمائه وصفاته، قد تجلت على قلبه أنوارها فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته، فبات جسمه في فراشه يتجافى عن مضجعه، وقلبه قد أوى إلى مولاه وحبيبه فآواه إليه، وأسجده بين يديه خاضعًا خاشعًا ذليلًا منكسرًا من كل جهة من جهاته فيالها سجدة ما أشرفها من سجدة، لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء، وقيل لبعض العارفين: أيسجد القلب بين يدي ربه؟ قال: إي والله، بسجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة، فشتان بين قلب يبيت عند ربه قد قطع في سفره إليه بيداء الأكوان، وخرق حجب الطبيعة، ولم يقف عند رسم، ولا سكن إلى علم، حتى دخل على ربه في داره(1) فشاهد عز سلطانه وعظمة جلاله وعلو شأنه وبهاء كماله، وهو مستو على عرشه يدبر أمر عباده وتصعد إليه شؤون العباد وتعرض عليه حوائجهم وأعمالهم، فيأمر فيها بما يشاء، فينزل الأمر من عنده نافذًا كما أمر، فيشاهد(2) الملك الحق قيومًا بنفسه مقيمًا لكل ما سواه، غنيًا عن كل من سواه وكل من سواه فقير إليه ﴿يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍۢ﴾ [الرحمن: 29]، يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويفك عانيًا وينصر ضعيفًا ويجبر كسيرًا ويغني فقيرًا، ويميت ويحيي ويسعد ويشقي ويضل ويهدي وينعم على قوم ويسلب نعمته عن آخرين، ويعز أقوامًا ويذل آخرين ويرفع أقوامًا ويضع آخرين.
ويشهده كما أخبر عنه أعلم الخلق به وأصدقهم في خبره حيث يقول في الحديث الصحيح: «يَمِينُ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ
______
(1) ثبت لفظ «في داره» في حديث الشفاعة من رواية أنس ؓ، وفيه: «فأستأذن على ربي في داره...» الحديث. [رواه البخاري (7440)]. وداره ﷻ هي الجنة، قال الإمام الخطابي [«فتح الباري» (13/ 429)] تعليقًا على حديث أنس ؓ: «هذا يوهم المكان، والله منزه عن ذلك، وإنما معناه في داره الذي اتخذها لأوليائه، وهي الجنة، وهي دار السلام، وأضيفت إليه إضافة تشريف مثل بيت الله وحرم الله». اهـ. وليس معنى: «في داره» الحلول في شيء من مخلوقاته.
(2) لا يعني ؒ إثبات الرؤية لله في الدنيا، وإنما يقصد العلم ومشاهدة آثار الملك.
