المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 70
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
الْخَلْقَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ يُخْفَضُ وَيُرْفَعُ»(1)، فيشاهده كذلك يقسم الأرزاق ويجزل العطايا ويمن بفضله على من يشاء من عباده بيمينه، وباليد الأخرى الميزان يخفض به من يشاء ويرفع به من يشاء عدلًا منه وحكمة، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، فيشهده وحده القيوم بأمر السموات والأرض ومن فيهن، ليس له بواب فيستأذن، ولا حاجب فيدخل عليه، ولا وزير فيؤتى، ولا ظهير فيستعان به، ولا ولي من دونه فيشفع به إليه، ولا نائب عنه فيعرفه حوائج عباده، ولا معين له فيعاونه على قضائها، بل قد أحاط سبحانه بها علمًا ووسعها قدرة ورحمة.
فلا تزيده كثرة الحاجات إلا جودًا وكرمًا، ولا يشغله منها شأن عن شأن، ولا تغلطه كثرة المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين، لو اجتمع أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم وقاموا في صعيد واحد ثم سألوه فأعطى كلا منهم مسألته ما نقص ذلك مما عنده ذرة واحدة إلا كما ينقص المِخْيَط البحر إذا انغمس فيه. ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ذلك بأنه الغني الجواد الماجد، فعطاؤه كلام، وعذابه كلام ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، ويشهده كما أخبر عنه أيضًا الصادق المصدوق ﷺ حيث يقول: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»(2).
وبالجملة فيشهده في كلامه فقد تجلى سبحانه وتعالى لعباده في كلامه وتراءى لهم فيه وتعرف إليهم فيه، فبعدًا وتبًّا للجاحدين والظالمين ﴿أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ﴾ [إبراهيم: 10]، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
فإذا صارت صفات ربه وأسماؤه مشهدًا لقلبه أَنْسَتْه ذكر غيره وشغلته عن حب من سواه وحديث دواعي قلبه إلى حبه تعالى بكل جزء من أجزاء قلبه وروحه وجسمه، فحينئذ يكون
______
(1) رواه البخاري (7419)، ومسلم (993).
(2) رواه مسلم (179).
