عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر
الشيخ ياسر برهامي • الفكر والمنهج • ص 41
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
أي: في قضية إحياء الموتى.
ونبي الله موسى عليه السلام رجع إلى قومه غضبان أسفًا، وكان يعلم بإخبار الله ﷻ له أن قومه قد فُتنوا، وأنهم عبدوا العجل، وقد رجع إليهم حزينًا غاضبًا، وهو دليل على انتفاء الوسوسة عنه، ودليل على أنه مُصدِّق تمام التصديق بخخبر الله ﷻ، وعنده يقين من حيث نوعية التصديق، لكنه عندما راهم بعينيه يعبدون العجل ألقى الألواح، مع أنه كان عائدًا حاملًا للألواح، عارفًا - في نفسه - بما يفعلون، لكنه عندما راهم ألقى الألواح من الغيظ، وازداد غضبًا، مع أنه كان مؤمنًا بخبر الله لكن نوعية التصديق تختلف.
ونذكر مثالًا في الأمور المحسوسة: إذا أخبر الناس ثقةً بأن في المكان الفلاني حريقًا فصدقوه، ثم أتى آخر فأخبرهم أنه ليس حريقًا إنما هو بعض الدخان، فقد يتزحزح التصديق عند بعضهم، لكنهم يصدقون الثقة الذي أخبرهم بالحريق، وخبر الواحد قد يتزحزح، فإذا أخبر من الثقات اثنان أو ثلاثة أو عشرة لم يتزحزح اليقين، لكن لو أخبره مائة ثقة ثم رآها بعينيه، فهذا أكمل تصديقًا، وهذه هي المعاينة.
ولذلك قال الله ﷻ عن النبي ﷺ: ﴿أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ [النجم: ١٢]، فالرسول ﷺ رأى بعينيه، فقال تعالى: ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ [النجم: ١٧-١٨] رأى جبريل، ورای سدرة المنتهى، ورای الجنة، ورأى النار، ورأى نور الحجاب، رأى كل ذلك بعينيه ﷺ، وهذه أكمل درجات الإيمان والتصديق(١).
إذن نقول إن زيادة قول القلب بالكمية والكيفية معناها أن هناك مراتب
______
(1) من آمن بالنبي ﷺ ولم يره ووجد من ينازعه ويؤذيه له أجر خمسين من الصحابة، ولكن ذلك ليس في كل الأعمال، لأن الذين شهدوا النبي ﷺ أكمل إيمانًا في هذه الجزئية من غيرهم، وإن كان إيمان غيرهم بالغيب إيمانًا عظيمًا، لكن فطرة الله التي فطر الناس عليها أن عين اليقين أكمل من علم اليقين، ولذلك ألد نعيم أهل الجنة أن يروا ربهم ﷻ.
