عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر
الشيخ ياسر برهامي • الفكر والمنهج • ص 40
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
وهو يكره ذلك ويضيق به ذرعًا، وليس عنده شك، وإلا لما ضاق به، ولما كره الوسوسة.
وكونه يقاوم الشيطان، ويستعيذ بالله منه، ويسأل أهل العلم ليزيلوا عنه وساوسه التي يضيق بها، فهذا دليل على أن لا يشك وأن عنده الإيمان الواجب.
وبعض الناس يجهل الفرق بين الشك والوسوسة، وقد قال النبي ﷺ عن الوسوسة عندما شكوا إليه، وقالوا: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ ﷺ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ» (١). فقد بين النبي ﷺ أن الذي تأتيه الوسوسة فيردها هو مؤمنٌ عنده الإيمان الواجب.
لكن هناك من هو أعلى منه في الإيمان، وهو الذي لا تأتيه الوساوس مطلقًا (٢)، فهناك درجات إيمان مستحبة، ودرجات تصديق أعلى، وهي التي سألها إبراهيم عليه السلام، وقد كان موقنًا ومصدقًا وليس عنده شك قط، لكنه كان يريد أن يرى بعينيه؛ لأن عين اليقين أكمل من علم اليقين، فكان يريد أن يرى بعينيه ليطمئن قلبه، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]،
______
(1) رواه مسلم (٢٣١).
(2) عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عن نفسه في قضية صلح الحديبية: «ما شككت إلا يومئذ»، فلم يشك في حياته قط أن الرسول ﷺ قد أخطأ إلا يومئذ، وهو بالقطع لم يشك في رسالته، فهو موقن بذلك دائمًا، وإنما الشك والوسوسة جاءته باحتمال أن يكون الرسول ﷺ قد أخطأ في الاجتهاد في هذه المسألة؛ أي: قبول الصلح على تلك الشروط، وكانت هذه حقا وسوسة من الشيطان، ولكن أبا بكر الصديق لم تأته وسوسة في عدم خطأ الرسول ﷺ في ذلك، ولم يوسوس له الشيطان من يوم أن آمن، ولذلك درجة الصديقين أعلى مقامًا من درجة عامة المؤمنين الذين قد تأتي لهم الوساوس ويردونها، فمقام الصديقين مقام لا تأتيه وسوسة أصلاً، سواء في أصول الإيمان من الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر، أم في فروعه، وكم من المؤمنين من تأتيه الوساوس في القدر وتنازعه نفسه وتجعله يتردد، وآخر تأتيه وساوس فيما دون ذلك من المسائل العملية التي يوسوس له الشيطان فيها.
