وقفات تربوية مع السيرة النبوية
الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 123
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
فهذه الظروف جعلت لدى أهل المدينة تطلعًا إلى هذا الدين، وعلقت منهم آمالاً قوية به، عسى أن تتوحّد بفضله صفوفهم ويعود فيلتئم شملهم، وتذوب وتمحى أسباب الشقاق مما بينهم، ولقد كان هذا مما صنعه الله لرسوله كما يقول ابن القيم في «زاد المعاد» حتى يمهد بذلك لهجرته إلى المدينة، حيث اقتضت رحمة الله أن تكون هي المنطلق للممد الإسلامي في أرجاء الأرض كلها(١).
٤ ـ قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى ففتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم، فهم بين مفتون في دينه ومن بين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارًا منهم، منهم من بأرض الحبشة، ومنهم بالمدينة وفي كل وجه، فلما عتت قريش على الله ـ عز وجل ـ، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه ﷺ، وعذبوا ونفوا من عبده وحده وصدق نبيه واعتصم بدينه، أذن الله ـ عز وجل ـ لرسوله ﷺ في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آيلة أنزلت في إذنه له في الحرب وإحلاله له الدماء، والقتال لمن بغى عليهم فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء قول الله ـ تبارك وتعالى ـ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: ٣٩-٤١)، أي: إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس إلا أن يعبدوا الله، وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، يعني النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين(٢).
______
(1) «فقه السيرة» (١٢٦، ١٢٧) باختصار.
(2) «سيرة ابن هشام مع الروض الأنف» (٢/ ٢١١).
