وقفات تربوية مع السيرة النبوية
الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 154
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ (الحج: ٧٧)، والخطاب بذلك كله مدني، فأما الخطاب يا أيها الناس فمشترك.
الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد وغيره، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله: ﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ﴾ أي: بالقرآن: ﴿ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ (الفرقان: ٥٢)، فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة، وأما الجهاد المأمور به في سورة الحج فيدخل فيه الجهاد بالسيف.
السادس: أن الحاكم روى في «مستدركه» من حديث الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ (الحج: ٣٩)، وهي أول آية نزلت في القتال(1). وإسناده على شرط «الصحيحين»، وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني، فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول ﷺ مكية، والله أعلم. ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من يقاتلهم، فقال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ (البقرة: ١٩٠)، ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، وكان محرماً، ثم مأذوناً به، ثم مأجوراً به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأجوراً به لجميع المشركين، إما فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور(2).
ولخص الشيخ محمد الخضري حال النبي ﷺ في الجهاد بعد الهجرة فقال - رحمه الله -، وصار قتال رسول الله ﷺ للأعداء على هذه المبادئ الآتية:
١ - اعتبار مشركي مكة محاربين؛ لأنهم بدأوا بالعدوان للمسلمين قتالهم، ومصادرة تجارتهم، حتى يأذن الله بفتح مكة، أو تعقد هدنة وقتية بين الطرفين.
______
(1) رواه الحاكم (٢/ ٦٦) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأحمد (١/ ٢١٦)، والترمذي (۳۱۷۰) شاكر.
(2) «زاد المعاد» (٣/ ٦٩-٧١).
