شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات تربوية مع السيرة النبوية

الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 201

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

قال الأستاذ سيد قطب ـ رحمه الله ـ: ولقد أعقب هول الهزيمة وذعرها وهرجها ومرجها سكون عجيب، سكون في نفوس المؤمنين الذين تابوا إلى ربهم، وثابوا إلى نبيهم، لقد شملهم نعاس لطيف يستسلمون إليه مطمئنين! ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ (آل عمران: ١٥٤).

وهي ظاهرة عجيبة، تشي برحمة الله التي تحف بعباده المؤمنين، والنعاس حين يلم بالمجهدين المرهقين المفزعين ولو لحظة واحدة يفعل في كيانهم فعل السحر، ويردهم خلقاً جديداً.

أما الطائفة الأخرى: فهم ذوو الإيمان المزعزع الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم، والذين لم يتخلصوا من تصورات الجاهلية، ولم يسلموا أنفسهم كلها لله خالصة، ولم يستسلموا بكليتهم لقدره، ولم تطمئن قلوبهم إلى أن ما أصابهم إنما هو ابتلاء للتمحيص، وليس تخلياً من الله عن أولياءه لأعدائه، ولا قضاء منه سبحانه للكفر والشر والباطل بالغلبة الأخيرة والنصر الكامل.

إن هذه العقيدة تُعَلِّم أصحابها ـ فيما تعلم ـ أن ليس لهم في أنفسهم شيء، فهم كلهم لله، وأنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له، ويتحركون له، ويقاتلون له بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد(١). عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: كنت فيما تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مراراً، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه(٢).

ولما تركت قريش ساحة القتال، اشتغل النبي ﷺ بدفن الشهداء وأمر بدفنهم في دمائهم وثيابهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم، وأمر بدفنهم في أماكن استشهادهم. عن جابر بن عبد الله: لما كان يوم أحد جاءت عمتي بأبي

______

(1) باختصار من «الظلال» (١/ ٤٨٩).

(2) رواه البخاري (٧/ ٤٢٢) المغازي.

الصفحة السابقة الصفحة التالية