وقفات تربوية مع السيرة النبوية
الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 53
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
فهذه قصة بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، والله - عز وجل - إذا أراد شيئًا هيأ أسبابه حتى يظهر شيئًا فشيئًا، فأول ذلك الرؤيا الصادقة وهي جزء من أجزاء النبوة بالنسبة للمؤمن، وحبب إليه ﷺ الخلا ء وهو الابتعاد عن الخلائق وذلك من أجل التعبد والخلوة بالله - عز وجل -، وكيف لا تتعلق نفس النبي ﷺ بالعبادة وتحبب إليها وهو النبي الخاتم الذي يعده الله - عز وجل - لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور، والوصول إلى المراتب العظيمة والارتفاع إلى المنازل العالية لا يكون بيسر وسسهولة، ولكن بمعاناة ومشقة، وهذا ما يشير إليه ضم جبريل عليه السلام لرسولنا ﷺ حتى بلغ منه الجهد، وإن كانت الدعوة تحتاج إلى جهد ومشقة ومكابدة، فتلقي الوحي كذلك كان غالبه بجهد ومشقة ومكابدة، كما أشار إليه قوله ﷺ، وقد سئل كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عَيًّا فيفْصَمُ عَنِّي، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول».
قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه؛ وإن جبينه ليتفصّد عرقا (١).
وإن كان الدعاة إلى الله - عز وجل - يعانون مشاق الدعوة، فإن الرسل الكرام لعظيم أجرهم، وجليل قدرهم يجمعون بين معاناة الدعوة والتلقي عن الله - عز وجل -، وهم كما قال النبي ﷺ: «أشد الناس بلاء الأنبياء» (٢).
وفي الحديث من الفوائد والآثار الإيمانية:
١ - فضل اعتزال أهل السوء والمعاصي، وبركة الخلوة من أجل العبادة والتقرب إلى الله - عز وجل -، ودل عليها كذلك قول الله - عز وجل - حاكيًا
______
(1) رواه البخاري (١/ ٢٥، ٢٦) بدء الوحي.
(٢) رواه الترمذي (٩/ ٢٤٣) الزهد، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وحسنه الألباني في «تحقيق المشكاة».
