وقفات تربوية مع السيرة النبوية
الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 57
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
تلك المقابلة، فيقوى قلبه، ويثبت فؤاده ويتهيأ لقبول الرسالة، ويستعد لتلقي القول: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الحشر: ٢١).
ثم أراد الله أن يمنحه ما كان في شوق إليه، وأن يؤتيه ما كانت تتوق نفسه إليه من ذلك الأنس الرحماني والكشف الإلهي، والوحي الرباني، فكان لصدره فرجًا من ذلك الضيق، ولنفسه فرجًا من تلك الساعة الحرجة، فحمي الوحي وتتابع (۱).
٢ - فترة الإسرار بالدعوة المباركة
ابتـدأْت هـذه الفترة المباركة من نزول قول الله - عز وجل -: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (المدثر: ١-٣)، وقوله - عز وجل -: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: ٩٤)، وقوله - عز وجل -: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء: ٢١٤-٢١٦).
وأكد العلماء على أن مدة هذه الفترة كانت ثلاث سنوات، فقد اجتهد النبي ﷺ في هذه الفترة في دعوة مَنْ يغلب على ظنه أنه سيدخل في هذا الدين، وسوف يكتم أمره، وهذا من باب السياسة الشرعية والنظر المصلحي للدعوة، فيجب الإسرار بالدعوة إذا كان الجهر يضر بها، فدعا النبي ﷺ زوجته خديجة، وكانت أول من أسلم من النساء، ودعا صديقه الذي هو موضع ثقته وأمين سره ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ أبو بكر الصديق ﷺ، فلم يتردد، وكان أول داعية في الإسلام، وكان ببركة إسلامه ودعوته ثلة مباركة دخلت في الدين، وكانت من السابقين الأولين، وكانت لها في الإسلام أعظم بذل وبلاء، فرضي الله عنهم أجمعين، منهم: عثمان بن عفان ﷺ ذو النورين، والزبير بن العوام وهو حواري رسول الله ﷺ، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب،
__________________
(1) «ساعات حرجة في حياة الرسول» باختصار (ص ۱۷، ۱۸).
