شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات تربوية مع السيرة النبوية

الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 56

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

قال الحافظ: وفتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان ﷺ وجده من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود (1).

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي، إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعْتُ بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فَرُعبتُ منه، فرجعت، فقلت: زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: ١-٥)، فحمى الوحي وتتابع، (٢).

قال الأستاذ عبد الوهاب حمودة: ليس بعجيب أن يزداد شوق الرسول ﷺ إلى مناجاة ربه بعد أن ذوقها، واستضاءت روحه ببيصص الأنوار القدسية وتملى بها، فإن من ذاق عَرَف ومن حرم انحرف. وإن لله من وراء فترة الوحي وذلك الاحتباس سر المربي القادر، والمؤدب الحكيم العليم بالنفوس وبواطنها، الخبير بالقلوب وتقلباتها، فإنه لما حصلت للرسول صلوات الله عليه روعة عند نزول الملك عليه أولاً، وأخذته من الرجفة ما أخذته وظنّ نفسه هالكا، فمن الحكمة الإلهية أن يترك بعد الدرس الأول حتى يهدأ روعه ويطمئن فؤاده، وينسى ذلك الرعب، ويتبدد عنه ذلك الخوف، فيتذكر لذة اللقاء، وتتذوق روحه نشوة

__________________

(1) «فتح الباري» (٣٦/١).

(2) رواه البخاري (۳۷/۱) بدء الوحي، ذكر ابن إسحاق أن سورة الضحى نزلت بعد هذه الفترة من الوحي، وهو ضعيف. قال في «سبل الهدى والرشاد»: ما ذكره ابن إسحاق من سبب نزول سورة الضحى رواه الطبراني من طريق العوفي وهو ضعيف عن ابن عباس، ومن طريق إسماعيلي مولى آل الزبير ذكره سليمان التيمي في السيرة التي جمعها. قال الحافظ: وكل هذه الروايات لا تثبت بحال، ويخالفها ما رواه الشيخان في سبب نزولها عن جندب بن سفيان البجلي ﷺ أن رسول الله ﷺ اشتكى فلم يقم لليلتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم يقربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى آخر السورة، رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ - رحمه الله -: والحق أن الفترة التي في سبب نزول سورة الضحى غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإنها دامت أيامًا، وهذه لم تكن إلا لليلتين أو ثلاثًا، فاختلطوا على بعض الرواة، وتحقيق الأمر ما بينته، «سبل الهدى والرشاد» (٣٦٧/١).

الصفحة السابقة الصفحة التالية