منهج ابن تيمية التجديدي
الشيخ سعيد عبدالعظيم • التزكية والرقائق • ص 215
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
وحُمِل من باب البريد، واشتد الزحام وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرك، وصار النعش على الرؤوس، وتارة يتقدم وتارة يتأخر، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها من شدة الزحام، وكل باب أعظم زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام، لكن كان المعظم من الأبواب الأربعة: باب الفرج الذي أُخرجت منه الجنازة، ومن باب الفراديس، ومن باب النصر، وباب الجابية، وعظم الأمر بسوق الخيل، وتقدم في الصلاة عليه أخوه زين الدين عبد الرحمن، وحُمِلَ إلى مقبرة الصوفية فدُفِن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله - رحمهما الله -، وكان دفنه وقت العصر أو قبلها بيسير، وأغلق الناس حوانيتهم، ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس، أو ممن أعجزه الزحام وحضرها نساء كثير بحيث حُزرن بخمسة عشر ألفا، أما الرجال فحزروا بستين ألفًا أو أكثر إلى مئة ألف ١، وشرب جماعة الماء الذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غُسل به، وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دُفِع فيها خمسمائة درهم، وقيل: إن الخيط الذي فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل دُفِع فيه مئة وخمسون درهماً، وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء، وتضرع، وختمت له ختم كثيرة بالصالحية والبلد، وتردد الناس في قبره أياماً ليلاً ونهاراً، ورؤيت له منامات كثيرة صالحة، ورثاه جماعة بقصائد جمةً.
وذكر ابن كثير أنه لم يتخلف عن الحضور إلا ثلاثة، وخرج في جنازته الأمراء والرؤوس والعلماءوالفقهاء، والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام، إلى أن قال: « والجميع يبكين عليه، لأنه كان أُمّةً وحده، وفرداً حتى نزل في لحده، وكانت سيرة حياته حافلة بالجهاد والمعاناة والمحن ».
قال ابن الهادي: ولما مات كنت غائباً عن دمشق بطريق الحجاز الشريف، وبلغنا خبره بعد موته بأكثر من خمسين يوماً، لما وصلنا إلى تبوك، وحصل التأسف لموته رحمه الله تعالى.
______
١ كان الإمام أحمد - رحمه الله - يقول: « قولوا لأهل العلم بيننا وبينكم يوم الجنازة ».
