رحلة السيرة
رجب أبو بسيسية • السيرة النبوية • ص 182
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
بيعة العقبة الثانية
عاد مصعب رضي الله عنه وأرضاه إلى مكة بعد سنة يحمل بشائر الخير ويقص على النبي ﷺ ما لاقى من خصال جميلة وآداب عالية في قبائل يثرب، وما وجده فيهم من إقبال وحب للخير ومن القوة والمنعة، وإرادتهم لنصرة النبي ﷺ والدفاع عنه فكان على إثر ذلك بيعة العقبة الثانية، التي كانت بمثابة فتح حقيقي ولبنة من اللبنات المهمة جدًا في صرح الإسلام والدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ حتى إن كعب بن مالك يقول: «شهدت مع النبي ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، (١)، لأن هذا الاجتماع التاريخي كان نقطة تحول في البشرية، وانطلاقة جديدة لمرحلة جديدة، وهي مرحلة الدولة، والتي سيكون فيها من المواجهة ما فيها، لكن الصحابة كانوا على قدر المسؤولية.
حدثت بيعة العقبة في العام الثالث عشر من البعثة حين حضر أهل يثرب ممن كانوا على الشرك لأداء الحج وكان من بينهم بضع وسبعون نفسًا ممن أسلموا رضي الله عنهم، وقد تساءل هؤلاء فيما بينهم وهم في أثناء الطريق: حتى متى نترك الرسول ﷺ يطوف ويطارد في جبال مكة ويخاف، وتشعر أن مصعب رضي الله عنه استطاع أن ينقل حب الإسلام وحمل الهم والشعور بالمسؤولية تجاه الإسلام وتجاه النبي ﷺ إلى قلوب الأنصار، وأن الأنصار حوّلوا الشعور بالمسؤولية إلى سلوك في أرض الواقع؛ فالشعور بالمسؤولية ليس مجرد كلام، ولا شعارات، ولا ألفاظ براقة وخطب رنانة، بل الشعور بالمسؤولية معناه العمل والحركة بقوة في الاتجاه الصحيح، ولا يوجد معنى آخر للشعور بالمسؤولية.
______
(١) أخرجه البخاري (٣٨٨٩)، ومسلم (٢٧٦٩).
(٢) سبق تخريجه.
