شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

رحلة السيرة

رجب أبو بسيسية⁩ • السيرة النبوية • ص 214

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

فكان يمشي أمام رسول الله ﷺ فترة ثم يمشي خلفه، وكان كثير الالتفات يميناً ويساراً، فسأله النبي ﷺ عن ذلك؛ فقال الصديق: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟»، قال: نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من ملمة إلا أن تكون بي دونك»(١)، ويا لها من تضحية من الصديق ما أعظمها.

سار النبي ﷺ وصاحبه في طريقهما الجديد نحو خمسة أميال، حتى بلغا إلى جبل يعرف بجبل ثور، وهو جبل عالٍ صعب المرتقي، ذا أحجار كثيرة، فمشى ﷺ في الطريق على أطراف قدميه كي يخفي أثره فحفيت قدماه، وقيل: إن أبا بكر حمل النبي ﷺ حتى وصلا إلى غار ثور في قمة الجبل، أما قريش فجن جنونها وبدأت تبحث عن رسول الله ﷺ في كل الطرق المتوقعة لكن النبي ﷺ سلك طريقاً مضاداً.

لما وصل النبي ﷺ إلى الغار قال أبو بكر للنبي ﷺ: والله لا تدخله حتى أدخله فإن كان شيء أصابني دونك، فدخل فكسح الغار ونظر فيه فوجد ثقوباً فشق إزاره وسد الثقوب وتبقت فتحتان فسدهما بقدميه، وقال: ادخل يا رسول الله، فدخل ﷺ فنام على حجر الصديق، فلدغ الصديق والنبي ﷺ نائم، وأراد الصديق ألا يُزعج النبي ﷺ، لكن الألم كان شديداً، فبكى الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فسقط الدمع على خد رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: «ما بك؟»، فقال: لُدغت، فتفل ﷺ على موضع اللدغ، ودعا له فبرأ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

أيها القارئ الكريم: الحب ليس كلمات تُقال بطرف اللسان ولا شعارات فارغة تصم الآذان، بل الحب نبض ينبع من سويداء الجنان ترجمه أفعال الجوارح والأركان، ومن أعظم النماذج لصدق المحبة نموذج أبي بكر الصديق.

______

(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٦/٣).

الصفحة السابقة الصفحة التالية