رحلة السيرة
رجب أبو بسيسية • السيرة النبوية • ص 217
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
[رسم: إطار مزخرف يحوي عبارة تأمل]
تحت المراقبة، وقررت اللعب بسلاح المال وجعلت مكافأة مائة ناقة لمن يأتي برسول الله حباً أو ميناً؛ فالمال يحرك النفوس والمطامع ولربما ينسف القيم والمبادئ عند ضعاف النفوس، وحينئذ جَدَّتِ الفرسان والمشاة وانتشروا في كل مكان لكن دون جدوى، حتى وصل المطارَدون إلى باب الغار؛ فعن أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كنت مع النبي ﷺ في الغار، ففرفت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: «اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما»، وفي رواية قال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما»(١)، وأرسل الله العنكبوت فنسجت على باب الغار فمروا بالغار، فلما رأوا على بابـه نسيج العنكبوت قالوا: لو دخل ها هنا، لم يكن نسج العنكبوت على بابـه(٢)، وكانت معجزة أكرم الله بها نبيه ﷺ، وصرف عنهما القوم بعد أن لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة، وعادوا خائبين خاسرين وكذلك أهل الباطل هم في خيبة وخسارة دائماً.
ولعل الدرس العظيم الذي نتعلمه من النبي ﷺ هو حسن الظن بالله تعالى وعدم القلق مهما اشتد الأمر وتخلفت كل الأسباب المادية؛ فكأن النبي ﷺ يقول لأبي بكر: هنا الأمر ليس لي ولا لك بل الأمر لله رب العالمين؛ «ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا»؛ فما على العبد إلا أن يأخذ بالأسباب المستطاعة مع تعلق القلب بالله وحسن الظن به وهذا هو حقيقة التوكل على الله تعالى.
▢ وتأمل: في كلمة أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو يريد أن ينبه النبي ﷺ للخطر دون أن يذعره فقال بصيغة التعليق: «لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا» ولم يقل: (هلكنا) أو (أدركونا)، ولعلنا نتعلم هذا الأسلوب من أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بدلاً من كلمات الإحباط التي يصرخ بها كثير من الناس ليلاً ونهاراً: (سوف نهلك)، بل إن النبي ﷺ قال: «إذا قال
______
(١) أخرجه البخاري (٣٦٥٣، ٣٩٢٢).
(٢) أخرجه أحمد (٣٢٥١)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٢١/٣): «هذا إسناد حسن، وهو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار، وذلك من حماية الله لرسوله».
