رحلة السيرة
رجب أبو بسيسية • السيرة النبوية • ص 62
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
أخرجت دار الأرقم لنا ثمارًا يانعة استروت على سوقها وضربت بجذورها في أعماق التاريخ، وكم نحتاج الأمة في أيامنا هذه إلى مثل هذا المحضن التربوي.
وكان (الأرقم) شابًا صغيرًا، قيل: كان عمره ثلاثة عشر عامًا، وقيل: خمسة عشر، وكانت الدعوة في مهدها الأول مهددة ومرصودة، إلا أن النبي ﷺ أقام هذه المدرسة رغم المخاطر التي تحيط بها، واجتهد الصحابة فيها في تلاوة القرآن وقيام الليل وإياك أن تظن قراءتهم للقرآن كانت مجرد قراءة فقط بل كانت فهمًا وتدبرًا وإصلاحًا لنفوسهم وذواتهم باطنًا وظاهرًا وصلاتهم -القيام- أتُوا بصورتها وحقيقتها وليست مجرد أداء حركات مخصوصة في وقت مخصوص فحسب بل كانت صلاتهم نهيًا عن الفحشاء والمنكر وتدفعلهم للقيام بأعباء الرسالة وتكاليفها.
◻ وتأمل: استمرت هذه الفترة ثلاث سنوات ولم يكن نزل من القرآن ساعتها إلا سورة القلم، والمزمل والمدثر وبعض قصار السور، والمطلوب والمنهج هو مداومة قراءة هذا القدر اليسير من القرآن وتكراره ومدارسته والصلاة به وقيام الليل به وكان واجبًا في بداية الدعوة، وهذا يدلنا على أن المقصود هو ترتيل القرآن وتدبره والتفاعل معه، والوقوف مع معانيه، وليس فقط الاهتمام بأحكام التلاوة من الغنن ومدود والحركات -وهو أمر طيب وجيد ومن وُفق لذلك فقد وُفق لخير كبير- لكن نقول: الأهم هو فهم القرآن وتدبر معانيه.
كان القرآن في هذه المرحلة يبث العقيدة الصحيحة ويثبتها، ولا بد من أن يكون أمر العقيدة من أولويات أي دعوة إلى الله تعالى، وأي دعوة لا تهتم بالعقيدة ولا تضعها في أولوياتها لا تستمر ولا تستحق البقاء في دنيا الناس، كذلك القرآن المكي كان يقوم على تزكية النفوس؛ كما قال تعالى: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنذِرْ ﴿٢﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾ وَٱلرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿٥﴾ ﴾ [المدثر: ١-٥]؛ فهذه معاني تُزكي النفوس وتطهرها، ومن أهم هذه المعاني
