القول المبين في حرمة دماء المعصومين وأنواع العهود مع غير المسلمين
صوت السلف • الفقه • ص 5
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
بحفظها تستقيم حياة البشر على الأرض، ويقوموا بالواجب الذي خُلقوا من أجله وهو عبادة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وقد اتفقت الشرائع السماوية على مراعاة هذه المصالح الضرورية للناس، فنادت بها، وحرصت عليها، وعملت على حمايتها وحفظها.
يقول الغزالي: «إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم (دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم)، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يُفوّت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة».
وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبه الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله: قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، فإن هذا يُفوّت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص، إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الشُّرب، إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب، وإيجاب زجر الغصّاب والسّراق، إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش، وهم مضطرون إليها، وتحريم تفويت هذه الأمور الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق»(١).
وقال الشاطبي: «فقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وُضعت للمحافظة على الضرورات الخمس وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل وعلمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين، ولا شهد لنا أصل معين يتاز برجوعها إليه، بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد»(٢).
وقال القرافي: «خمس اجتمعت الأمم مع الأمة المحمدية عليها، وهي: وجوب حفظ النفوس والعقول، فتحرم المسكرات بإجماع الشرائع، وإن اختفت في شرب القدر الذي لا يسكر، فحرم في هذه الملة تحريم الوسائل، وسد الذريعة بتناول القدر المسكر، وأبيح في غيرها من الشرائع لعدم المفسدة، وحفظ الأعراض، فيحرم القذف، وسائر السباب، ويجب حفظ الأنساب فيحرم الزنا في جميع الشرائع، والأموال يجب حفظها في جميع الشرائع فتحرم السرقة، ونحوها»(٣).
وقال الزركشي: «المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها الشرائع، بل هي مطبقة على حفظها، وهي خمسة، أحدها: حفظ النفس بشرعية القصاص، فإن لولا ذلك لتهارج الخلق، واختل نظام المصالح...»(٤).
____________________
(١) «المستصفى في علم الأصول» (١/ ٤١٧).
(٢) «الموافقات» (١/ ٣١).
(٣) «الفروق» (٤/ ٨٠).
(٤) «البحر المحيط في أصول الفقه» (٤/ ١٨٨).