الشهادتان أول واجب على كل إنسان
الشيخ محمد إسماعيل المقدم • العقيدة والتوحيد • ص 315
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وتأمل حال ذلك الصحابي(١) الذي أخذ تمراته؛ وقعد يأكلها على حاجة وجوع وفاقة إليها؛ فلما عاين سوق الشهادة قامت ألقى قوت من يده، وقال: «إنها لحياة طويلة إن بقيت حتى آكل هذه التمرات»، وألقاها من يده؛ وقاتل حتى قُتل، وكذلك أحوال الصحابة رضي الله عنهم، كانت مطابقة لما أشار إليه.
______
(١) يشير الإمام ابن القيم رحمه الله إلى قصة عمير بن الحمام الأنصاري رضي الله عنه حين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم بدر: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض»، فقال عمير: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نعم». قال: بخ بخ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يحملك على قول: بخ بخ؟» قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: «فإنك من أهلها». فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن؛ ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل، رواه الإمام أحمد، ومسلم.
وقد يدرك المؤمن بحواسه هذا الغيب وهو -بعد- في آخر لحظات حياته الدنيوية: فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «غاب عمي أنس بن النضر رضي الله عنه عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين؛ لئن أشهدني الله قتال المشركين، ليرين الله ما أصنع.. فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين-. ثم تقدَّم فاستقبله سعد بن معاذ، قال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني لأجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح؛ أو رمية بسهم؛ ووجدناه قد قُتل وقد مثَّل به المشركون؛ فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى -أو نظن- أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٢٣]». رواه البخاري.
والقصص المتعلقة بهذه الدرجة من «عين اليقين» عند فراق الدنيا كثيرة متواترة في كل العصور؛ منها -في عصرنا- ما حكاه فضيلة الشيخ صفوت نور الدين رحمه الله تعالى قال: ولقد شهدت أحد أعمامي وهو في موته يُحتضر، وكان قد طال به المرض يتأوه كثيرًا وقد أصيب بالاستسقاء، وكان من أول من دعا للسنة في البلدة التي كان يعيش فيها؛ وكان جهاده فيها -رغم ضعفه وفقره- جهادًا عظيمًا متصلًا. فإذا به يقرأ قبل موته: ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ لا يتعداها يكررها، وقد ذهب عنه كل شكوى كان يشتكي بها، ثم أخذ ينادي على بعض من مات منذ عشرات السنين، وأخذ يردد كلمات قال فيها «فرح... فرح... فرح»، «إيه الكرم دا كله يا ربي» يكررها. كل ذلك وأنا أنظر إليه متعجبًا وأقول في نفسي: «سيفيق فأسأله عن ذلك»، لكن اتصل هذا بخروج روحه. فرحمه الله تعالى رحمة واسعة. اهـ. من مقدمة «سكب العبرات» للعفاني (ص٧).