الجامع لأحكام الصيام وأعمال شهر رمضان
الشيخ أحمد حطيبة • الفقه • ص 247
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
المَسَاجِدُ وَأَحْكَامُهَا
## -32 يُسَنُّ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ وَعِمَارَتُهَا وَتَعَهُدُهَا وَإِصْلَاحُ مَا تَشَعَّثَ مِنْهَا؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ I قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ H يَقُولُ«: مَنْ بَنَى مَسْجِداً -قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ- بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ»(((ي.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ L أَنَّ رَسُولَ اللهِ H قَالَ«: مَنْ بَنَى مَسْجِداً للهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ..................................................
_________________
(1) خ (450)، م (533)، ت (318)، جه (736)، حم (436)، مي (1392) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ I.
((2) الْقَطَاةُ): طَائِرٌ يُشْبِهُ الْحَمَامَةَ، وَقَوْلُهُ(: كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ) هُوَ مَوْضِعُهَا الَّذِي تُخَيِّمُ فِيهِ وَتَبِيضُ لِأَنَّهَا تَفْحَصُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهَذَا مَذْكُورٌ لِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الصَّغَرِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «فَتْحِ الْبَارِيِّ»: وَحَمَلَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ؛ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي تَفْحَصُ الْقَطَاةُ عَنْهُ لِتَضَعَ فِيهِ بَيْضَهَا وَتَرْقُدَ عَلَيْهِ لَا يَكْفِي مِقْدَارُهُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ.
وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَزِيدَ فِي مَسْجِدٍ قَدْراً يُحْتَاجُ إِلَيْهِ تَكُونُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ هَذَا الْقَدْرَ أَوْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فَتَقَعَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْقَدْرَ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ مَوْضِعَ السُّجُودِ بِنُودٍ وهو ما يسع الجبهةَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، لَكِنْ قَوْلُهُ«: بَنَى» يُشْعِرُ بِوُجُودِ بِنَاءٍ حَسَنٍ، وَقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ«: مَنْ بَنَى للهِ بَيْتاً» أَخْرَجَهُ سمويه فِي فَوَائِدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَقَوْلِهِ «مَنْ بَنَى مَسْجِداً يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، فَكُلُّ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْمَكَانُ الْمُتَّخَذُ لَا مَوْضِعُ السُّجُودِ فَقَطْ، لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ إِرَادَةُ الْآخَرِ مَجَازاً، إِذْ بِنَاءُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا كَثِيراً مِنْ طُرُقِ الْمُسَافِرِينَ يحوطُونَهَا إِلَى جِهِةِ الْقِبْلَةِ وَهِيَ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ.
وَقَوْلُهُ«: للهِ» بِمَعْنَى قَوْلِهِ«: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ» لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ.
فَائِدَةٌ: قَالَِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَنْ كَتَبَ اسْمَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي يَبْنِيهِ كَانَ بَعِيداً مِنْ الْإِخْلَاصِ. اِنْتَهَى.
وَمَنْ بَنَاهُ بِالْأُجْرَةِ لَا يَحْصُلُ لَهُ هَذَا الْوَعْدُ الْمَخْصُوصُ لِعَدَمِ الْإِخْلَاصِ وَإِنْ كَانَ يُؤْجَرُ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنَّ الْإِخْلَاصَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنْ الْمُتَطَوِّعِ.
وَقَوْلُهُ(:بَنَى اللهُ مِثْلَهُ) صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَوْ أَيْ بَنَى بِنَاءً مِثْلَهُ، وَلَفْظُ «الْمِثْلِ» لَهُ اسْتِعْمَالَانِ: أَحَدُهُمَا الْإِفْرَادُ مُطْلَقاً كَقَوْلِهِ تَعَالَى[:ڇ ڍ ڌ] وَالْآخَرُ الْمُطَابَقَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى[:چ ڇ] فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ أَبْنِيَةً مُتَعَدِّدَةً، فَيَحْصُلُ جَوَابُ مَنْ اسْتَشْكَلَ التَّقْيِيدَ بِقَوْلِهِ: «مِثْلَهُ» =
