الجامع لأحكام الصيام وأعمال شهر رمضان
الشيخ أحمد حطيبة • الفقه • ص 36
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
فَيُؤْخَذُ مِنْ الحَدِيثَيْنِ أَنَّ الصَّوْمَ لِمَنْ قَوَى عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ الفِطْرِ، وَالفِطْرُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ المَشَقَّةُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالفِطْرِ(((.
(1) قَالَ الحَافِظُ اْبْنُ حَجَرٍ فِي «فَتْحِ البَارِي»:
وَذَهَبَ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: الفِطْرُ أَفْضَلُ عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مُخَيَّرٌ مُطْلَقًا، وَقَالَ آخَرُونَ: أَفْضَلُهُمَا أَيْسَرُهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: [ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ] فَإِنْ كَانَ الفِطْرُ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ صِيَامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالصَّوْمُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَاخْتَارَهُ اِبْنُ المُنْذِرِ، وَالذِي يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الفِطْرُ أَفْضَلَ لِمَنْ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَتَضَرَّرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ظُنَّ بِهِ الإِعْرَاضُ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ، لِقَوْلِهِ H: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَكَذَلِكَ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ العُجْبَ أَوْ الرِّيَاءَ إِذَا صَامَ فِي السَّفَرِ فَقَدْ يَكُونُ الفِطْرُ أَفْضَلَ لَهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ I قَالَ: {كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ H أَكْثَرُنَا ظِلًّا الذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا؛ فَقَالَ النَّبِيُّ H: «ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ»}.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ {سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ H إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ النَّبِيُّ H: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ H: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُوا عَدُوِّكُمْ فَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا»، فَكَانَتْ عَزِيمَةً فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللهِ H بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ} وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ الجَوَابُ عَنْ نِسْبَتِهِ H الصَّائِمِينَ إِلَى العِصْيَانِ لِأَنَّهُ عَزَمَ عَلَيْهِمْ فَخَالَفُوا، وَهُوَ شَاهِدٌ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الفِطْرَ أَفْضَلُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الفِطْرِ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلَى لِقَاءِ العَدُوِّ السَّفَرِ.
وَأَمَّا الجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ H: «لَيْسَ مِنْ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» فهو أنه قد خرج على سبب فيقصر عليه وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاري في ترجمته، ولهذا قال الطبري بعد أن س_ {سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ H وَنَحْنُ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ قَدْ دَخَلَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ =
