الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 3
القرطبي • التفسير • ج3 ص26
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
الجزاء إتيانا كما سمى التخويف والتعذيب في قصة نمروذ إتيانا فقال:" فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم «1» ". وقال في قصة النضير:" فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب"، وقال:" وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها «2» ". وإنما احتمل الإتيان هذه المعاني لأن أصل الإتيان عند أهل اللغة هو القصد إلى الشيء، فمعنى الآية: هل ينظرون إلا أن يظهر الله تعالى فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في أمرهم ما هو قاض، وكما أنه سبحانه أحدث فعلا سماه نزولا واستواء كذلك يحدث فعلا يسميه إتيانا، وأفعاله بلا آلة ولا علة، سبحانه! وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: هذا من المكتوم الذي لا يفسر. وقد سكت بعضهم عن تأويلها، وتأولها بعضهم كما ذكرنا. وقيل: الفاء بمعنى الباء، أي يأتيهم بظلل، ومنه الحديث:" يأتيهم الله في صورة" أي بصورة امتحانا لهم. ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرآن والخبر على وجه الانتقال والحركة والزوال، لأن ذلك من صفات الأجرام والأجسام، تعالى الله الكبير المتعال، ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام علوا كبيرا. والغمام: السحاب الرقيق الأبيض، سمي بذلك لأنه يغم، أي يستر، كما تقدم «3». وقرأ معاذ بن جبل" وقضاء الأمر". وقرأ يحيى بن يعمر" وقضي الأمور" بالجمع. والجمهور" وقضي الأمر" فالمعنى وقع الجزاء وعذب أهل العصيان. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي" ترجع الأمور" على بناء الفعل للفاعل، وهو الأصل، دليله" ألا إلى الله تصير الأمور «4» "،" إلى الله مرجعكم «5» ". وقرأ الباقون" ترجع" على بنائه للمفعول، وهي أيضا قراءة حسنة، دليله" ثم تردون «6» "،" ثم ردوا إلى الله «7» "،" ولئن رددت إلى ربي «8» " والقراءتان حسنتان بمعنى، والأصل الأولى، وبناؤه للمفعول توسع وفرع، والأمور كلها راجعة إلى الله قبل وبعد. وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا
