الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 19
القرطبي • التفسير • ج19 ص183
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
قوله تعالى: (إن للمتقين مفازا) ذكر جزاء من اتقى مخالفة أمر الله مفازا موضع فوز ونجاة وخلاص مما فيه أهل النار. ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها: مفازة، تفاؤلا بالخلاص منها. (حدائق وأعنابا) هذا تفسير الفوز. وقيل: إن للمتقين مفازا إن للمتقين حدائق، جمع حديقة، وهي البستان المحوط عليه، يقال أحدق به: أي أحاط. والأعناب: جمع عنب، أي كروم أعناب، فحذف. (وكواعب أترابا) كواعب: جمع كاعب وهي الناهد، يقال: كعبت الجارية تكعب كعوبا، وكعبت تكعب تكعيبا، ونهدت تنهد نهودا. وقال الضحاك: ككواعب العذارى، ومنه قول قيس بن عاصم:
وكم من حصان قد حوينا كريمة ... ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر
والأتراب: الأقران في السن. وقد مضى في سورة" الواقعة" «1» الواحد: ترب. (وكأسا دهاقا) قال الحسن وقتادة وابن زيد وابن عباس: مترعة مملوءة، يقال: أدهقت الكأس: أي ملأتها، وكأس دهاق أي ممتلئة، قال:
ألا فاسقني صرفا سقاني الساقي ... من مائها بكأسك الدهاق
وقال خداش بن زهير:
أتانا عامر يبغي قرانا ... فأترعنا له كأسا دهاقا
وقال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وابن عباس أيضا: متتابعة، يتبع بعضها بعضا، ومنه ادهقت الحجارة ادهاقا، وهو شدة تلازبها ودخول بعضها في بعض، فالمتتابع كالمتداخل. وعن عكرمة أيضا وزيد بن أسلم: صافية، قال الشاعر:
لأنت إلى الفؤاد أحب قربا ... من الصادي إلى كأس دهاق
وهو جمع دهق «2»، وهو خشبتان [يغمز «3»] بهما [الساق]. والمراد بالكأس الخمر، فالتقدير: خمرا ذات دهاق، أي عصرت وصفيت، قاله القشيري. وفي الصحاح: وأدهقت الماء: أي أفرغته
