شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرسالة

الإمام الشافعي • أصول الفقه • ج1 ص10

تحقيق: أحمد شاكر — مكتبه الحلبي، مصر

هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) (النساء 50 - 52)

وصنف كفروا بالله، فابتدعوا ما لم يأذن به الله، ونصبوا بأيديهم حجارة وخشبا، وصورا استحسنوا، ونبزوا أسماء افتعلوا، ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها، ألقوه ونصبوا بأيديهم غيره، فعبدوه: فأولئك العرب.

وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا، وفي عبادة ما استحسنوا من حوت، ودابة، ونجم، ونار، وغيره.

فذكر الله لنبيه جوابا من جواب بعض من عبد غيره من هذا الصنف، فحكى جل ثناؤه عنهم قولهم: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون.

وحكى تبارك وتعالى عنهم: (لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن ودا ولا سواعا، ولا يغوث ويعوق ونسرا، وقد أضلوا كثيرا) (نوح 23 - 24)

[ص: 11]

وقال تبارك وتعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم. إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه: يا أبت! لم تعبد ما لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئا؟!) (مريم 41 - 42)

وقال: (واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه: ما تعبدون؟ قالوا: نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال: هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم، أو يضرون؟!) (الشعراء 69 - 70)

وقال في جماعتهم، يذكرهم من نعمه، ويخبرهم ضلالتهم عامة، ومنه على من آمن منهم: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) (آل عمران 103)

قال: فكانوا قبل إنقاذه إياهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أهل كفر في تفرقهم، واجتماعهم. يجمعهم أعظم الأمور: الكفر بالله، وابتداع ما لم يأذن به الله. تعالى عما يقولون علوا كبيرا. لا إله غيره، وسبحانه، وبحمده رب كل شيء وخالقه.

[ص: 12]

من حي منهم فكما وصف حاله حيا: عاملا قائلا بسخط ربه مزدادا من معصيته.

ومن مات فكما وصف قوله وعمله: صار إلى عذابه.

فلما بلغ الكتاب أجله فحق قضاء الله بإظهار دينه الذي اصطفى بعد استعلاء معصيته التي لم يرض: فتح أبواب سماواته برحمته، كما لم يزل يجري - في سابق علمه عند نزول قضائه في القرون الخالية -: قضاؤه.

فإنه تبارك وتعالى يقول: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) (البقرة 213)

فكان خيرته المصطفى لوحيه، المنتخب لرسالته المفضل على جميع خلقه، بفتح رحمته، وختم نبوته، وأعم ما أرسل به مرسل قبله المرفوع ذكره مع ذكره في الأولى، والشافع المشفع في الأخرى، أفضل خلقه نفسا، وأجمعهم لكل خلق رضيه في دين ودنيا. وخيرهم نسبا ودارا محمدا عبده ورسوله.

[ص: 13]

وعرفنا وخلقه (1) نعمه الخاصة، العامة النفع في الدين والدنيا.

فقال: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رءوف رحيم) (التوبة 128)

وقال: (لتنذر أم القرى ومن حولها) (الشورى 7) ، وأم القرى: مكة، وفيها قومه.

وقال: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء 214)

وقال: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) (الزخرف 44)

الصفحة السابقة الصفحة التالية