شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الرسالة

الإمام الشافعي • أصول الفقه • ج1 ص13

تحقيق: أحمد شاكر — مكتبه الحلبي، مصر

قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: (وإنه لذكر لك ولقومك) قال: يقال: ممن الرجل؟ فيقال: من العرب. فيقال: من أي العرب؟ فيقال: من قريش.

[ص: 14]

قال الشافعي: وما قال مجاهد من هذا بين في الآية مستغنى فيه بالتنزيل عن التفسير.

فخص جل ثناؤه قومه وعشيرته الأقربين في النذارة، وعم الخلق بها بعدهم، ورفع بالقرآن ذكر رسول الله، ثم خص قومه بالنذارة إذ بعثه فقال: (وأنذر عشيرتك الأقربين)

[ص: 15]

وزعم بعض أهل العلم بالقرآن (1) أن رسول الله قال: يا بني عبد مناف! إن الله بعثني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وأنتم عشيرتي الأقربون. (2)

[ص: 16]

قال الشافعي: أخبرنا بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: (ورفعنا لك ذكرك) قال: لا أذكر إلا ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدأ رسول الله.

يعني - والله أعلم - ذكره عند الإيمان بالله، والآذان. ويحتمل ذكره عند تلاوة الكتاب، وعند العمل بالطاعة، والوقوف عن المعصية.

فصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وصلى عليه في الأولين والآخرين، أفضل وأكثر وأزكى ما صلى على أحد من خلقه. وزكانا وإياكم بالصلاة عليه أفضل ما زكى أحدا من أمته بصلاته عليه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته، وجزاه الله عنا أفضل ما جزى مرسلا عن من أرسل إليه؛ فإنه أنقذنا به من الهلكة، وجعلنا في خير أمة أخرجت للناس، دائنين بدينه الذي ارتضى، واصطفى به ملائكته ومن أنعم عليه من خلقه. فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت، نلنا بها حظا في دين ودنيا أو دفع بها عنا مكروه فيهما، وفي واحد منهما: إلا ومحمد صلى الله عليه سببها، القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها، الذائد عن الهلكة وموارد السوء في خلاف الرشد، المنبه للأسباب التي تورد الهلكة، القائم بالنصيحة في الإرشاد والإنذار فيها. فصلى الله على محمد وعلى آل محمد كما صلى على إبراهيم وآل إبراهيم إنه حميد مجيد.

[ص: 17]

وأنزل عليه كتابه فقال: (وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. تنزيل من حكيم حميد) (فصلت 41 - 42) فنقلهم من الكفر والعمى إلى الضياء والهدى، وبين فيه ما أحل: منا بالتوسعة على خلقه، وما حرم: لما هو أعلم به من حظهم في الكف عنه في الآخرة والأولى. وابتلى طاعتهم بأن تعبدهم بقول، وعمل وإمساك عن محارم حماهموها، وأثابهم على طاعته من الخلود في جنته، والنجاة من نقمته: ما عظمت به نعمته جل ثناؤه.

[ص: 18]

وأعلمهم ما أوجب لأهل طاعته.

ووعظهم بالأخبار عمن كان قبلهم، ممن كان أكثر منهم أموالا وأولادا، وأطول أعمارا، وأحمد آثارا، فاستمتعوا بخلاقهم في حياة دنياهم، فأذاقهم عند نزول قضائه مناياهم دون آماله، ونزلت بهم عقوبته عند انقضاء آجالهم، ليعتبروا في أنف الأوان، ويتفهموا بجلية التبيان، ويتنبهوا قبل رين الغفلة، ويعملوا قبل انقطاع المدة حين لا يعتب مذنب، ولا تؤخذ فدية، و (تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) (آل عمران 30)

[ص: 19]

فكل ما أنزل في كتابه - جل ثناؤه - رحمة وحجة، علمه من علمه، وجهله من جهله، لا يعلم من جهله، ولا يجهل من علمه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية