الرسالة
الإمام الشافعي • أصول الفقه • ج1 ص106
تحقيق: أحمد شاكر — مكتبه الحلبي، مصر
قال "الشافعي: ": إن الله خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.
وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة، وفرض فيه فرائض أثبتها، وأخرى نسخها، رحمة لخلقه، بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه. وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم: جنته، والنجاة من عذابه؛ فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ، فله الحمد على نعمه.
وأبان الله لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأن السنة لا ناسخة للكتاب، وإنما هي تبع للكتاب، يمثل ما نزل نصا، ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جملا.
قال الله: " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله. قل ما يكون لي أن
[ص: 107]
أبدله من تلقاء نفسي؛ إن أتبع إلا ما يوحى إلي. إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) " [يونس] .
فأخبر الله أنه فرض على نبيه اتباع ما يوحى إليه، ولم يجعل له تبديله من تلقاء نفسه.
وفي قوله: " ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي (15) " [يونس] ، بيان ما وصفت، من أنه لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه، كما كان المبتدىء لفرضه، فهو المزيل المثبت لما شاء منه، جل ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه.
وكذلك قال: " يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب (39) " [الرعد] .
وقد قال بعض أهل العلم: في هذه الآية - والله أعلم - دلالة على أن الله جعل لرسوله أن يقول من تلقاء نفسه بتوفيقه فيما لم ينزل فيه كتابا، والله أعلم.
وقيل في قوله: " يمحو الله ما يشاء ... (39) " [الرعد] : يمحو فرض ما يشاء، ويثبت فرض ما يشاء، وهذا يشبه ما قيل، والله أعلم.
[ص: 108]
وفي كتاب الله دلالة عليه، قال الله: " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها. ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير (106) " [البقرة] .
فأخبر الله أن نسخ القرآن، وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله.
وقال: " وإذا بدلنا آية مكان آية، والله أعلم بما ينزل: قالوا: إنما أنت مفتر (101) " [النحل] .
وهكذا سنة رسول الله، لا ينسخها إلا سنة لرسول الله؛ ولو أحدث الله لرسوله في أمر سن فيه، غير ما سن رسول الله: لسن فيما أحدث الله إليه، حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها. وهذا مذكور في سنته - صلى الله عليه وسلم -.
#
