الرسالة
الإمام الشافعي • أصول الفقه • ج1 ص137
تحقيق: أحمد شاكر — مكتبه الحلبي، مصر
قال الله - تبارك وتعالى -: " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا: الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (180) " [البقرة] .
قال الله: " والذين يتوفون منكم ويذرون
[ص: 138]
أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج، فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف، والله عزيز حكيم (240) " [البقرة] .
فأنزل الله ميراث الوالدين ومن ورث بعدهما ومعهما من الأقربين، وميراث الزوج من زوجته، والزوجة من زوجها.
فكانت الآيتان محتملتين لأن تثبتا الوصية للوالدين والأقربين، والوصية للزوج، والميراث مع الوصايا، فيأخذون بالميراث والوصايا، ومحتملة بأن تكون المواريث ناسخة للوصايا.
فلما احتملت الآيتان ما وصفنا كان على أهل العلم طلب الدلالة من كتاب الله، فما لم يجدوه نصا في كتاب الله، طلبوه
[ص: 139]
في سنة رسول الله، فإن وجدوه فما قبلوا عن رسول الله، فعن الله قبلوه، بما افترض من طاعته.
ووجدنا أهل الفتيا، ومن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي، من قريش وغيرهم: لا يختلفون في أن النبي قال عام الفتح: " لا وصية لوارث، ولا يقتل مؤمن بكافر "، ويأثرونه عن من حفظوا عنه ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي.
فكان هذا نقل عامة عن عامة، وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد، وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجتمعين.
قال: وروى بعض الشاميين حديثا ليس مما يثبته أهل الحديث، فيه: أن بعض رجاله مجهولون، فرويناه عن النبي منقطعا.
[ص: 140]
وإنما قبلناه بما وصفت من نقل أهل المغازي وإجماع العامة عليه، وإن كنا قد ذكرنا الحديث فيه، واعتمدنا على حديث أهل المغازي عاما وإجماع الناس.
أخبرنا "سفيان" عن "سليمان الأحول" عن "مجاهد"، أن رسول الله قال: " لا وصية لوارث " (1) .
[ص: 142]
فاستدللنا بما وصفت، من نقل عامة أهل المغازي عن النبي أن: " لا وصية لوارث "، على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة، مع الخبر المنقطع عن النبي، وإجماع العامة على القول به.
وكذلك قال أكثر العامة: إن الوصية للأقربين
[ص: 143]
منسوخة زائل فرضها، إذا كانوا وارثين فبالميراث، وإن كانوا غير وارثين فليس بفرض أن يوصي لهم.
إلا أن "طاوسا" وقليلا معه قالوا: نسخت الوصية للوالدين، وثبتت للقرابة غير الوارثين، فمن أوصى لغير قرابة لم يجز.
فلما احتملت الآية ما ذهب إليه "طاوس"، من أن الوصية للقرابة ثابتة، إذ لم يكن في خبر أهل العلم بالمغازي إلا أن النبي قال: " لا وصية لوارث "، وجب عندنا على أهل العلم طلب الدلالة على خلاف ما قال "طاوس" أو موافقته:
فوجدنا رسول الله حكم في ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم، فأعتقهم عند الموت، فجزأهم النبي ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرق أربعة.
[ص: 144]
أخبرنا بذلك "عبد الوهاب" عن "أيوب" عن "أبي قلابة" عن "أبي المهلب" عن "عمران بن حصين" عن النبي.
قال: فكانت دلالة السنة في حديث "عمران بن حصين" بينة بأن رسول الله أنزل عتقهم في المرض وصية.
[ص: 145]
والذي أعتقهم رجل من العرب، والعربي إنما يملك من لا قرابة بينه وبينه من العجم، فأجاز النبي لهم الوصية.
فدل ذلك على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة: بطلت للعبيد المعتقين، لأنهم ليسوا بقرابة للمعتق.
ودل ذلك على أن لا وصية لميت إلا في ثلث ماله، ودل ذلك على أن يرد ما جاوز الثلث في الوصية، وعلى إبطال الاستسعاء، وإثبات القسم والقرعة.
وبطلت وصية الوالدين، لأنهما وارثان، وثبت ميراثهما.
ومن أوصى له الميت من قرابة وغيرهم، جازت الوصية، إذا لم يكن وارثا.
وأحب إلي لو أوصى لقرابته.
