الرسالة
الإمام الشافعي • أصول الفقه • ج1 ص162
تحقيق: أحمد شاكر — مكتبه الحلبي، مصر
وسن رسول الله الوضوء كما أنزل الله: فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، وغسل رجليه إلى الكعبين.
أخبرنا "عبد العزيز بن محمد" عن "زيد بن أسلم" عن "عطاء بن يسار" عن "ابن عباس" عن النبي: " أنه توضأ مرة مرة " (1) .
أخبرنا "مالك عن عمرو بن يحيى" عن أبيه، أنه قال "لعبد الله بن زيد"، وهو جد "عمرو بن يحيى": " هل تستطيع أن
[ص: 163]
تريني كيف كان رسول الله يتوضأ؟ فقال "عبد الله": نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح برأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه " (2) .
[ص: 164]
فكان ظاهر قول الله: (فاغسلوا وجوهكم) ، أقل ما وقع عليه اسم الغسل، وذلك مرة، واحتمل أكثر.
فسن رسول الله الوضوء مرة، فوافق ذلك ظاهر القرآن، وذلك أقل ما يقع عليه اسم الغسل، واحتمل أكثر، وسنه مرتين وثلاثا.
فلما سنه مرة استدللنا على أنه لو كانت مرة لا تجزئ: لم يتوضأ مرة ويصلي، وأن ما جاوز مرة اختيار، لا فرض في الوضوء لا يجزئ أقل منه.
[ص: 165]
وهذا مثل ما ذكرت من الفرائض قبله: لو ترك الحديث فيه استغني فيه بالكتاب، وحين حكي الحديث فيه دل على اتباع الحديث كتاب الله.
ولعلهم إنما حكوا الحديث فيه لأن أكثر ما توضأ رسول الله ثلاثا، فأرادوا أن الوضوء ثلاثا اختيار، لا أنه واجب لا يجزئ أقل منه، ولما ذكر منه في أن " من توضأ وضوءه هذا - وكان ثلاثا - ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما، غفر له " (3) ؛ فأرادوا طلب الفضل في الزيادة في الوضوء، وكانت الزيادة فيه نافلة.
وغسل رسول الله في الوضوء المرفقين والكعبين، وكانت الآية محتملة أن يكونا مغسولين وأن يكون مغسولا إليهما، ولا يكونان مغسولين، ولعلهم حكوا الحديث إبانة لهذا أيضا.
وأشبه الأمرين بظاهر الآية أن يكونا مغسولين.
[ص: 166]
وهذا بيان السنة مع بيان القرآن.
وسواء البيان في هذا وفيما قبله، ومستغنى بفرضه بالقرآن عند أهل العلم، ومختلفان عند غيرهم.
