رياض الصالحين
الإمام النووي • التزكية والرقائق • ص 188
تحقيق: شعيب الأرنؤوط — مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان
فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: "أنا نازل"ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب فعاد كثيبا أهيل، أو أهيم.
فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا مافي ذلك صبر فعندك شيء؟ فقالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت تنضج.
فقلت: طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال:"كم هو؟ "فذكرت له فقال:"كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتى آتي"فقال:"قوموا"فقام المهاجرون والأنصار، فدخلت عليها فقلت: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون، والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، قال:"ادخلوا ولا تضاغطوا"فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا، وبقي منه، فقال:"كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة "متفق عليه.
وفي رواية: قال جابر: لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصا، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء، فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا؟ فأخرجت إلي جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة، داجن فذبحتها، وطحنت الشعير ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، فجئته فساررته فقلت يا رسول الله، ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعا من شعير، فتعال أنت ونفر معك، فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أهل الخندق: إن جابرا قد صنع سؤرا فحيهلا بكم"فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء". فجئت، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت. فأخرجت عجينا فبسق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال:"ادع خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها"وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وأن عجيننا ليخبز كما هو.
