شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الروح

ابن قيم الجوزية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص196

دار الكتب العلمية - بيروت

وجب افتقاره في الجميع فإن قيل النفس عاشقة لهذا البدن دون غيره فكان تأثيرها فيه أقوى من تأثيرها في غيره قيل هذا العشق الشديد يقتضي أن يكون تعلقها بالبدن أكثر وتصرفها فيه أقوى فأما أن يتغير مقتضى ذاتها بالنسبة إلى هذه الأجسام فذلك محال وهذا دليل في غاية القوة

الوجه الرابع عشر بعد المائة أن العقلاء كلهم متفقون على أن الإنسان هو هذا الحي الناطق المتغذي النامي الحساس المتحرك بالإرادة وهذه الصفات نوعان صفات لبدنه وصفات لروحه ونفسه الناطقة فلو كانت الروح جوهرا مجردا لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلة به ولا منفصلة عنه لكان الإنسان لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه أو كان بعضه في العالم وبعضه لا داخل العالم ولا خارجه وكل عاقل يعلم بالضرورة بطلان ذلك وأن الإنسان بجملته داخل العالم بدنه وروحه وهذا في البطلان يضاهي قول من قال أن نفسه قديمة غير مخلوقة فجعلوا نصف الإنسان مخلوقا ونصفه غير مخلوق فإن قيل نحن نسلم أن الإنسان كما ذكرتم إلا أنا نثبت جوهرا مجردا يدبر الإنسان الموصوف بهذه الصفات

قلنا فذلك الجوهر الذي أثبتموه مغاير للإنسان أو هو حقيقة الإنسان ولا بد لكم من أحد الأمرين فإن قلتم هو غير الإنسان رجع كلامكم إلى أنكم أثبتم للإنسان مدبرا غيره سميتموه نفسها وكلامنا الآن إنما هو في حقيقة الإنسان لا في مدبره فإن مدبر الإنسان وجميع العالم العلوي والسفلي هو الله الواحد القهار

الوجه الخامس عشر بعد المائة أن كل عاقل إذا قيل له ما الإنسان فإنه يشير إلى هذه البنية وما قام بها لا يخطر بباله أمر مغاير لها مجرد ليس في العالم ولا خارجه والعلم بذلك ضروري لا يقبل شكا ولا تشكيكا

الوجه السادس عشر بعد المائة أن عقول العالمين قاضيه بأن الخطاب متوجه إلى هذه البنية وما قام بها وساكها وكذلك المدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب ولو أن رجلا قال المأمور والمنهي والممدوح والمذموم والمخاطب والعاقل جوهر مجرد ليس في العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه لأضحك العقلاء على عقله ولأطبقوا على تكذيبه وكل ما شهدت بدائه العقول وصرائحها ببطلانه كان الاستدلال على ثبوته استدلالا على صحة وجود المحال وبالله التوفيق

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية