شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الشعراء: الآيات 141-159

{ كذبت ثمود المرسلين } إلى آخر القصة { كذبت ثمود } القبيلة المعروفة في مدائن الحجر { المرسلين } كذبوا صالحا عليه السلام، الذي جاء بالتوحيد، الذي دعت إليه المرسلون، فكان تكذيبهم له تكذيبا للجميع. { إذ قال لهم أخوهم صالح } في النسب، برفق ولين: { ألا تتقون } الله تعالى، وتدعون الشرك والمعاصي { إني لكم رسول } من الله ربكم، أرسلني إليكم، لطفا بكم ورحمة، فتلقوا رحمته بالقبول، وقابلوها بالإذعان، { أمين } تعرفون ذلك مني، وذلك يوجب عليكم أن تؤمنوا بي وبما جئت به. { ومآ أسألكم عليه من أجر } فتقولون: يمنعنا من اتباعك، أنك تريد أخذ أموالنا، { إن أجري إلا على رب العالمين } أي: لا أطلب الثواب إلا منه. { أتتركون في ما هاهنآ آمنين * في جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها هضيم } أي نضيد كثير. أي: أتحسبون أنكم تتركون في هذه الخيرات والنعم سدى، تتنعمون وتتمتعون كما تتمتع الأنعام وتتركون سدى، لا تؤمرون، ولا تنهون، وتستعينون بهذه النعم على معاصي الله، { وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين } أي بلغت بكم الفراهة والحذق إلى أن اتخذتم بيوتا من الجبال الصم الصلاب. { فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين } الذين تجاوزوا الحد، { الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون } أي الذين وصفهم ودأبهم الإفساد في الأرض، بعمل المعاصي والدعوة إليها، إفسادا لا إصلاح فيه، وهذا أضر ما يكون، لأنه شر محض، وكأن أناسا عندهم مستعدون لمعارضة نبيهم، موضعون في الدعوة لسبيل الغي، فنهاهم صالح عن الاغترار بهم، ولعلهم الذين قال الله فيهم:

وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون

[النمل: 48] فلم يفد فيهم هذا النهي والوعظ شيئا، فقالوا لصالح { إنمآ أنت من المسحرين } أي قد سحرت فأنت تهذي بما لا معنى له. { مآ أنت إلا بشر مثلنا } فأي: فضيلة فقتنا بها، حتى تدعونا إلى اتباعك؟ { فأت بآية إن كنت من الصادقين } هذا، مع أن مجرد اعتبار حالته وحالة ما دعا إليه، من أكبر الآيات البينات على صحة ما جاء به وصدقه، ولكنهم من قسوتهم، سألوا آيات الاقتراح، التي في الغالب لا يفلح من طلبها، لكون طلبه مبنيا على التعنت لا على الاسترشاد. فقال صالح { هذه ناقة } تخرج من صخرة صماء ملساء ترونها وتشاهدونها بأجمعكم، { لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } أي تشرب ماء البئر يوما، وأنتم تشربون لبنها، ثم تصدر عنكم اليوم الآخر، وتشربون أنتم ماء البئر. { ولا تمسوها بسوء } بعقر أو غيره { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } فخرجت واستمرت عندهم بتلك الحال، فلم يؤمنوا، واستمروا على طغيانهم { فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب } وهي صيحة نزلت عليهم، فدمرتهم أجمعين، { إن في ذلك لآية } على صدق ما جاءت به رسلنا، وبطلان قول معارضيهم، { وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم }.

الصفحة السابقة الصفحة التالية