شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة القصص: الآيات 1-51

{ وكذلك نجزي المحسنين } في عبادة الله، المحسنين لخلق الله، نعطيهم علما وحكما بحسب إحسانهم، ودل هذا على كمال إحسان موسى عليه السلام. { ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها } إما وقت القائلة، أو غير ذلك من الأوقات التي بها يغفلون عن الانتشار. { فوجد فيها رجلين يقتتلان } أي: يتخاصمان ويتضاربان { هذا من شيعته } أي: من بني إسرائيل { وهذا من عدوه } القبط. { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه } لأنه قد اشتهر، وعلم الناس أنه من بني إسرائيل، واستغاثته لموسى، دليل على أنه بلغ موسى عليه السلام مبلغا يخاف منه، ويرجى من بيت المملكة والسلطان. { فوكزه موسى } أي: وكز الذي من عدوه، استجابة لاستغاثة الإسرائيلي، { فقضى عليه } أي: أماته من تلك الوكزة، لشدتها وقوة موسى. فندم موسى عليه السلام على ما جرى منه، و { قال هذا من عمل الشيطان } أي: من تزيينه ووسوسته، { إنه عدو مضل مبين } فلذلك أجريت ما أجريت بسبب عداوته البينة، وحرصه على الإضلال. ثم استغفر ربه { قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } خصوصا للمخبتين، المبادرين للإنابة والتوبة، كما جرى من موسى عليه السلام. ف { قال } موسى { رب بمآ أنعمت علي } بالتوبة والمغفرة، والنعم الكثيرة، { فلن أكون ظهيرا } أي: معينا ومساعدا { للمجرمين } أي: لا أعين أحدا على معصية، وهذا وعد من موسى عليه السلام، بسبب منة الله عليه، أن لا يعين مجرما، كما فعل في قتل القبطي. وهذا يفيد أن النعم تقتضي من العبد فعل الخير، وترك الشر. { ف } لما جرى منه قتل الذي هو من عدوه { أصبح في المدينة خآئفا يترقب } هل يشعر به آل فرعون، أم لا؟ وإنما خاف، لأنه قد علم، أنه لا يتجرأ أحد على مثل هذه الحال سوى موسى من بني إسرائيل. فبينما هو على تلك الحال { فإذا الذي استنصره بالأمس } على عدوه { يستصرخه } على قبطي آخر. { قال له موسى } موبخا له على حاله { إنك لغوي مبين } أي: بين الغواية، ظاهر الجراءة. { فلمآ أن أراد أن يبطش } موسى { بالذي هو عدو لهما } أي: له وللمخاصم المستصرخ، أي: لم يزل اللجاج بين القبطي والإسرائيلي، وهو يستغيث بموسى، فأخذته الحمية، حتى هم أن يبطش بالقبطي، { قال } له القبطي زاجرا له عن قتله: { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض } لأن من أعظم آثار الجبار في الأرض، قتل النفس بغير حق. { وما تريد أن تكون من المصلحين } وإلا فلو أردت الإصلاح لحلت بيني وبينه من غير قتل أحد، فانكف موسى عن قتله، وارعوى لوعظه وزجره، وشاع الخبر بما جرى من موسى في هاتين القضيتين، حتى تراود ملأ فرعون وفرعون على قتله، وتشاوروا على ذلك.

وقيض الله ذلك الرجل الناصح، وبادرهم إلى الإخبار لموسى بما اجتمع عليه رأي ملئهم. فقال: { وجآء رجل من أقصا المدينة يسعى } أي: ركضا على قدميه من نصحه لموسى، وخوفه أن يوقعوا به قبل أن يشعر، ف { قال يموسى إن الملأ يأتمرون } أي: يتشاورون فيك { ليقتلوك فاخرج } عن المدينة { إني لك من الناصحين } فامتثل نصحه. { فخرج منها خآئفا يترقب } أن يوقع به القتل، ودعا الله، و { قال رب نجني من القوم الظالمين } فإنه قد تاب من ذنبه وفعله غضبا من غير قصد منه للقتل، فتوعدهم له ظلم منهم وجراءة. { ولما توجه تلقآء مدين } أي: قاصدا بوجهه مدين، وهو جنوبي فلسطين، حيث لا ملك لفرعون، { قال عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل } أي: وسط الطريق المختصر، الموصل إليها بسهولة ورفق، فهداه الله سواء السبيل، فوصل إلى مدين. { ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون } مواشيهم، وكانوا أهل ماشية كثيرة { ووجد من دونهم } أي: دون تلك الأمة { امرأتين تذودان } غنمهما عن حياض الناس، لعجزهما عن مزاحمة الرجال وبخلهم، وعدم مروءتهم عن السقي لهما. { قال } لهما موسى { ما خطبكما } أي: ما شأنكما بهذه الحالة، { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء } أي: قد جرت العادة أنه لا يحصل لنا سقي حتى يصدر الرعاء مواشيهم، فإذا خلا لنا الجو سقينا، { وأبونا شيخ كبير } أي: لا قوة له على السقي، فليس فينا قوة، نقتدر بها، ولا لنا رجال يزاحمون الرعاء. فرق لهما موسى عليه السلام ورحمهما { فسقى لهما } غير طالب منهما الأجرة، ولا له قصد غير وجه الله تعالى، فلما سقى لهما، وكان ذلك وقت شدة حر، وسط النهار، بدليل قوله: { ثم تولى إلى الظل } مستريحا لذلك الظلال بعد التعب. { فقال } في تلك الحالة، مسترزقا ربه { رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير } أي: إني مفتقر للخير الذي تسوقه إلي وتيسره لي. وهذا سؤال منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغ من السؤال بلسان المقال، فلم يزل في هذه الحالة داعيا ربه متملقا. وأما المرأتان، فذهبتا إلى أبيهما، وأخبرتاه بما جرى، فأرسل أبوهما إحداهما إلى موسى، فجاءته { تمشي على استحيآء } وهذا يدل على كرم عنصرها، وخلقها الحسن، فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصا في النساء. ويدل على أن موسى عليه السلام، لم يكن فيما فعله من السقي بمنزلة الأجير والخادم الذي لا يستحى منه عادة، وإنما هو عزيز النفس، رأت من حسن خلقه ومكارم أخلاقه، ما أوجب لها الحياء منه، ف { قالت } له: { إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } أي: لا ليمن عليك، بل أنت الذي ابتدأتنا بالإحسان، وإنما قصده أن يكافئك على إحسانك، فأجابها موسى.

{ فلما جآءه وقص عليه القصص } من ابتداء السبب الموجب لهربه، إلى أن وصل إليه { قال } له مسكنا روعه، جابرا قلبه: { لا تخف نجوت من القوم الظالمين } أي: ليذهب خوفك وروعك، فإن الله نجاك منهم، حيث وصلت إلى هذا المحل، الذي ليس لهم عليه سلطان. { قالت إحداهما } أي: إحدى ابنتيه { يأبت استئجره } أي: اجعله أجيرا عندك، يرعى الغنم ويسقيها، { إن خير من استئجرت القوي الأمين } أي: إن موسى أولى من استؤجر فإنه جمع القوة والأمانة، وخير أجير استؤجر، من جمعهما، أي: القوة والقدرة على ما استؤجر عليه، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان الوصفان، ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا، بإجارة أو غيرها. فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما، وأما اجتماعهما، فإن العمل يتم ويكمل، وإنما قالت ذلك، لأنها شاهدت من قوة موسى عند السقي لهما ونشاطه، ما عرفت به قوته، وشاهدت من أمانته وديانته، وأنه رحمهما في حالة لا يرجى نفعهما، وإنما قصده [بذلك] وجه الله تعالى. { قال } صاحب مدين لموسى { إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني } أي تصير أجيرا عندي { ثماني حجج } أي: ثماني سنين. { فإن أتممت عشرا فمن عندك } تبرع منك، لا شيء واجب عليك. { ومآ أريد أن أشق عليك } فأحتم عشر السنين، أو ما أريد أن أستأجرك لأكلفك أعمالا شاقة، وإنما استأجرك لعمل سهل يسير لا مشقة فيه { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } فرغبه في سهولة العمل، وفي حسن المعاملة، وهذا يدل على أن الرجل الصالح، ينبغي له أن يحسن خلقه مهما أمكنه، وأن الذي يطلب منه، أبلغ من غيره. ف { قال } موسى عليه السلام - مجيبا له فيما طلبه منه-: { ذلك بيني وبينك } أي: هذا الشرط، الذي أنت ذكرت، رضيت به، وقد تم فيما بيني وبينك. { أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي } سواء قضيت الثماني الواجبة، أم تبرعت بالزائد عليها { والله على ما نقول وكيل } حافظ يراقبنا، ويعلم ما تعاقدنا عليه. وهذا الرجل، أبو المرأتين، صاحب مدين، ليس بشعيب النبي المعروف، كما اشتهر عند كثير من الناس، فإن هذا قول لم يدل عليه دليل، وغاية ما يكون، أن شعيبا عليه السلام، قد كانت بلده مدين، وهذه القضية جرت في مدين، فأين الملازمة بين الأمرين. وأيضا، فإنه غير معلوم أن موسى أدرك زمان شعيب، فكيف بشخصه؟!! ولو كان ذلك الرجل شعيبا، لذكره الله تعالى، ولسمته المرأتان، وأيضا فإن شعيبا عليه الصلاة والسلام، قد أهلك الله قومه بتكذيبهم إياه، ولم يبق إلا من آمن به، وقد أعاذ الله المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيهم، بمنعهما عن الماء، وصد ماشيتهما، حتى يأتيهما رجل غريب، فيحسن إليهما، ويسقي ماشيتهما، وما كان شعيب ليرضى أن يرعى موسى عنده ويكون خادما له، وهو أفضل منه وأعلى درجة، والله أعلم، [إلا أن يقال: هذا قبل نبوة موسى فلا منافاة وعلى كل حال لا يعتمد على أنه شعيب النبي بغير نقل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم].

الصفحة السابقة الصفحة التالية