شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة القصص: الآيات 1-51

{ فلما قضى موسى الأجل } يحتمل أنه قضى الأجل الواجب، أو الزائد عليه، كما هو الظن بموسى ووفائه، اشتاق إلى الوصول إلى أهله ووالدته وعشيرته ووطنه، وعلم من طول المدة، أنهم قد تناسوا ما صدر منه. { سار بأهله } قاصدا مصر، { آنس } أي: أبصر { من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون } وكان قد أصابهم البرد، وتاهوا الطريق. فلما أتاها نودي { يموسى إني أنا الله رب العالمين } فأخبر بألوهيته وربوبيته، ويلزم من ذلك، أن يأمره بعبادته وتألهه، كما صرح به في الآية الأخرى

فاعبدني وأقم الصلاة لذكري

[طه: 14]. { وأن ألق عصاك } فألقاها { فلما رآها تهتز } تسعى سعيا شديدا، ولها سورة مهيلة { كأنها جآن } ذكر الحيات العظيم، { ولى مدبرا ولم يعقب } أي: يرجع لاستيلاء الروع على قلبه، فقال الله له: { يموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين } وهذا أبلغ ما يكون في التأمين وعدم الخوف. فإن قوله: { أقبل } يقتضي الأمر بإقباله، ويجب عليه الامتثال، ولكن قد يكون إقباله، وهو لم يزل في الأمر المخوف، فقال: { ولا تخف } أمر له بشيئين، إقباله، وأن لا يكون في قلبه خوف، ولكن يبقى احتمال، وهو أنه قد يقبل وهو غير خائف، ولكن لا تحصل له الوقاية والأمن من المكروه، فقال: { إنك من الآمنين } فحينئذ اندفع المحذور من جميع الوجوه، فأقبل موسى عليه السلام غير خائف ولا مرعوب، بل مطمئنا، واثقا بخبر ربه، قد ازداد إيمانه، وتم يقينه، فهذه آية، أراه الله إياها قبل ذهابه إلى فرعون، ليكون على يقين تام، فيكون أجرأ له، وأقوى وأصلب. ثم أراه الآية الأخرى فقال: { اسلك يدك } أي: أدخلها { في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء } فسلكها وأخرجها، كما ذكر الله تعالى. { واضمم إليك جناحك من الرهب } أي ضم جناحك وهو عضدك إلى جنبك يزول عنك الرهب والخوف. { فذانك } انقلاب العصا حية، وخروج اليد بيضاء من غير سوء { برهانان من ربك } أي: حجتان قاطعتان من الله، { إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين } فلا يكفيهم مجرد الإنذار وأمر الرسول إياهم، بل لا بد من الآيات الباهرة، إن نفعت. ف { قال } موسى عليه السلام. معتذرا من ربه، وسائلا له المعونة على ما حمله، وذاكرا له الموانع التي فيه، ليزيل ربه ما يحذره منها.

{ رب إني قتلت منهم نفسا } أي: { فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا } أي: معاونا ومساعدا { يصدقني } فإنه مع تضافر الأخبار يقوى الحق فأجابه الله إلى سؤاله فقال: { سنشد عضدك بأخيك } أي: نعاونك به ونقويك. ثم أزال عنه محذور القتل، فقال: { ونجعل لكما سلطانا } أي: تسلطا، وتمكنا من الدعوة بالحجة، والهيبة الإلهية من عدوهما لهما، { فلا يصلون إليكما } وذلك بسبب آياتنا، وما دلت عليه من الحق، وما أزعجت به من باشرها ونظر إليها، فهي التي بها حصل لكما السلطان، واندفع بها عنكم كيد عدوكم، وصارت لكم أبلغ من الجنود، أولي العدد والعدد. { أنتما ومن اتبعكما الغالبون } وهذا وعد لموسى في ذلك الوقت، وهو وحده فريد، وقد رجع إلى بلده، بعد ما كان شريدا، فلم تزل الأحوال تتطور، والأمور تنتقل، حتى أنجز الله له موعوده، ومكنه من العباد والبلاد، وصار له ولأتباعه الغلبة والظهور. فذهب موسى برسالة ربه { فلما جآءهم موسى بآياتنا بينات } واضحات الدلالة على ما قال لهم، ليس فيها قصور ولا خفاء. { قالوا } على وجه الظلم والعلو والعناد: { ما هذآ إلا سحر مفترى } كما قال فرعون في تلك الحالة التي ظهر فيها الحق، واستعل على الباطل، واضمحل الباطل، وخضع له الرؤساء العارفون حقائق الأمور.

إنه لكبيركم الذي علمكم السحر

[طه: 71] هذا، وهو الذكي غير الزكي، الذي بلغ من المكر والخداع والكيد ما قصه الله علينا وقد علم

مآ أنزل هؤلاء إلا رب السموت والأرض

[الإسراء: 102] ولكن الشقاء غالب. { وما سمعنا بهذا في آبآئنا الأولين } وقد كذبوا في ذلك، فإن الله أرسل يوسف عليه السلام قبل موسى، كما قال تعالى:

ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جآءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب

[غافر: 34]. { وقال موسى } حين زعموا أن الذي جاءهم به سحر وضلال، وأن ما هم عليه هو الهدى: { ربي أعلم بمن جآء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار } أي: إذا لم تفد المقابلة معكم، وتبيين الآيات البينات، وأبيتم إلا التمادي في غيكم واللجاج على كفركم، فالله تعالى العالم بالمهتدي وغيره، ومن تكون له عاقبة الدار، نحن أم أنتم { إنه لا يفلح الظالمون } فصار عاقبة الدار لموسى وأتباعه، والفلاح والفوز، وصار لأولئك، الخسار وسوء العاقبة والهلاك. { وقال فرعون } متجرئا على ربه، ومموها على قومه السفهاء، أخفاء العقول: { يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري } أي: أنا وحدي إلهكم ومعبودكم، ولو كان ثم إله غيري، لعلمته، فانظر إلى هذا الورع التام من فرعون! حيث لم يقل " ما لكم من إله غيري " بل تورع وقال: { ما علمت لكم من إله غيري }.

وهذا، لأنه عندهم العالم الفاضل، الذي مهما قال فهو الحق، ومهما أمر أطاعوه. فلما قال هذه المقالة، التي قد تحتمل أن ثم إلها غيره، أراد أن يحقق النفي، الذي جعل فيه ذلك الاحتمال، فقال ل " هامان ": { فأوقد لي يهامان على الطين } ليجعل له لبنا من فخار. { فاجعل لي صرحا } أي: بناء { لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين } ولكن سنحقق هذا الظن، ونريكم كذب موسى. فانظر هذه الجراءة العظيمة على الله، التي ما بلغها آدمي، كذب موسى، وادعى أنه إله، ونفى أن يكون له علم بالإله الحق، وفعل الأسباب، ليتوصل إلى إله موسى، وكل هذا ترويج، ولكن العجب من هؤلاء الملأ، الذين يزعمون أنهم كبار المملكة، المدبرون لشؤونها، كيف لعب هذا الرجل بعقولهم، واستخف أحلامهم، وهذا لفسقهم الذي صار صفة راسخة فيهم. فسد دينهم، ثم تبع ذلك فساد عقولهم، فنسألك اللهم الثبات على الإيمان، وأن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وتهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. قال تعالى: { واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق } استكبروا على عباد الله، وساموهم سوء العذاب، واستكبروا على رسل الله، وما جاؤوهم به من الآيات، فكذبوها، وزعموا أن ما هم عليه أعلى منها وأفضل. { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } فلذلك تجرؤوا، وإلا فلو علموا، أو ظنوا أنهم يرجعون إلى الله، لما كان منهم ما كان. { فأخذناه وجنوده } عندما استمر عنادهم وبغيهم { فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } كانت أشر العواقب وأخسرها عاقبة أعقبتها العقوبة الدنيوية المستمرة، المتصلة بالعقوبة الأخروية. { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } أي جعلنا فرعون وملأه من الأئمة الذين يقتدى بهم ويمشى خلفهم إلى دار الخزي والشقاء. { ويوم القيامة لا ينصرون } من عذاب الله، فهم أضعف شيء، عن دفعه عن أنفسهم، وليس لهم من دون الله من ولي ولا نصير. [ { وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة } أي:] وأتبعناهم، زيادة في عقوبتهم وخزيهم، في الدنيا لعنة يلعنون، ولهم عند الخلق الثناء القبيح والمقت والذم، وهذا أمر مشاهد، فهم أئمة الملعونين في الدنيا ومقدمتهم، { ويوم القيامة هم من المقبوحين } المبعدين، المستقذرة أفعالهم. الذين اجتمع عليهم مقت الله، ومقت خلقه، ومقت أنفسهم. { ولقد آتينا موسى الكتاب } وهو التوراة { من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى } الذين كان خاتمتهم في الإهلاك العام، فرعون وجنوده. وهذا دليل على أنه بعد نزول التوراة، انقطع الهلاك العام، وشرع جهاد الكفار بالسيف. { بصآئر للناس } أي: كتاب الله، الذي أنزله على موسى، فيه بصائر للناس، أي: أمور يبصرون بها ما ينفعهم وما يضرهم، فتقوم الحجة على العاصي، وينتفع بها المؤمن، فتكون رحمة في حقه، وهداية له إلى الصراط المستقيم، ولهذا قال: { وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون }.

الصفحة السابقة الصفحة التالية