تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة القصص: الآيات 1-51
ولما قص الله على رسوله ما قص، من هذه الأخبار الغيبية، نبه العباد على أن هذا خبر إلهي محض، ليس للرسول طريق إلى علمه إلا من جهة الوحي، ولهذا قال: { وما كنت بجانب الغربي } أي: بجانب الطور الغربي وقت قضائنا لموسى الأمر، { وما كنت من الشاهدين } على ذلك، حتى يقال: إنه وصل إليك من هذا الطريق. { ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر } فاندرس العلم ونسيت آياته، فبعثناك في وقت اشتدت الحاجة إليك وإلى ما علمناك وأوحينا إليك. { وما كنت ثاويا } أي: مقيما { في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا } أي: تعلمهم وتتعلم منهم، حتى أخبرت بما أخبرت من شأن موسى في مدين، { ولكنا كنا مرسلين } أي: ولكن ذلك الخبر الذي جئت به عن موسى، أثر من آثار إرسالنا إياك، ووحي لا سبيل لك إلى علمه بدون إرسالنا. { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } موسى، وأمرناه أن يأتي القوم الظالمين، ويبلغهم رسالتنا، ويريهم من آياتنا وعجائبنا ما قصصنا عليك. والمقصود: أن الماجريات التي جرت لموسى عليه الصلاة والسلام في هذه الأماكن، فقصصتها كما هي، من غير زيادة ولا نقص، لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تكون حضرتها وشاهدتها، أو ذهبت إلى محالها فتعلمتها من أهلها، فحينئذ قد لا يدل ذلك على أنك رسول الله، إذ الأمور التي يخبر بها عن شهادة ودراسة، من الأمور المشتركة غير المختصة بالأنبياء، ولكن هذا قد علم وتيقن أنه ما كان وما صار، فأولياؤك وأعداؤك يعلمون عدم ذلك. فتعين الأمر الثاني، وهو: أن هذا جاءك من قبل الله ووحيه وإرساله، فثبت بالدليل القطعي صحة رسالتك، ورحمة الله بك للعباد، ولهذا قال: { ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك } أي: العرب وقريش، فإن الرسالة [عندهم] لا تعرف وقت إرسال الرسول وقبله بأزمان متطاولة، { لعلهم يتذكرون } تفصيل الخير فيفعلونه، والشر فيتركونه، فإذا كنت بهذه المنزلة، كان الواجب عليهم، المبادرة إلى الإيمان بك، وشكر هذه النعمة، التي لا يقادر قدرها، ولا يدرك شكرها. وإنذاره للعرب لا ينفي أن يكون مرسلا لغيرهم، فإنه عربي، والقرآن الذي أنزل عليه عربي، وأول من باشر بدعوته العرب، فكانت رسالته إليهم أصلا، ولغيرهم تبعا، كما قال تعالى:
أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس
[يونس: 2]
قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا
[الأعراف: 158]. { ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم } من الكفر والمعاصي { فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين } أي: فأرسلناك يا محمد، لدفع حجتهم، وقطع مقالتهم. { فلما جآءهم الحق } الذي لا شك فيه { من عندنا } وهو القرآن، الذي أوحيناه إليك { قالوا } مكذبين له، ومعترضين بما ليس يعترض به: { لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى } أي: أنزل عليه كتاب من السماء جملة واحدة.
أي: فأما ما دام ينزل متفرقا، فإنه ليس من عند الله. وأي: دليل في هذا؟ وأي: شبهة أنه ليس من عند الله حين نزل مفرقا؟ بل من كمال هذا القرآن، واعتناء الله بمن أنزل عليه، أن نزل متفرقا، ليثبت الله به فؤاد رسوله، ويحصل زيادة الإيمان للمؤمنين
ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا
[الفرقان: 33]. وأيضا، فإن قياسهم على كتاب موسى، قياس قد نقضوه، فكيف يقيسونه على كتاب كفروا به ولم يؤمنوا؟ ولهذا قال { أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا } أي: القرآن والتوراة، تعاونا في سحرهما، وإضلال الناس { وقالوا إنا بكل كافرون } فثبت بهذا أن القوم يريدون إبطال الحق بما ليس ببرهان، وينقضونه بما لا ينقض، ويقولون الأقوال المتناقضة المختلفة، وهذا شأن كل كافر. ولهذا صرح أنهم كفروا بالكتابين والرسولين، ولكن هل كفرهم بهما كان طلبا للحق، واتباعا لأمر عندهم خير منهما، أم مجرد هوى؟. قال تعالى ملزما لهم بذلك: { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ } أي: من التوراة والقرآن { أتبعه إن كنتم صادقين } ولا سبيل لهم ولا لغيرهم أن يأتوا بمثلهما، فإنه ما طرق العالم منذ خلقه الله، مثل هذين الكتابين، علما وهدى، وبيانا، ورحمة للخلق، وهذا من كمال الإنصاف من الداعي أن قال: أنا مقصودي الحق والهدى والرشد، وقد جئتكم بهذا الكتاب المشتمل على ذلك، الموافق لكتاب موسى، فيجب علينا جميعا الإذعان لهما واتباعهما، من حيث كونهما هدى وحقا، فإن جئتموني بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعته، وإلا فلا أترك هدى وحقا قد علمته لغير هدى وحق. { فإن لم يستجيبوا لك } فلم يأتوا بكتاب أهدى منهما { فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم } أي: فاعلم أن تركهم اتباعك، ليسوا ذاهبين إلى حق يعرفونه، ولا إلى هدى، وإنما ذلك مجرد اتباع لأهوائهم. { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } فهذا من أضل الناس، حيث عرض عليه الهدى والصراط المستقيم، الموصل إلى الله وإلى دار كرامته، فلم يلتفت إليه ولم يقبل عليه، ودعاه هواه إلى سلوك الطرق الموصلة إلى الهلاك والشقاء، فاتبعه وترك الهدى، فهل أحد أضل ممن هذا وصفه؟!! ولكن ظلمه وعدوانه، وعدم محبته للحق، هو الذي أوجب له: أن يبقى على ضلاله ولا يهديه الله، فلهذا قال: { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } أي: الذين صار الظلم لهم وصفا والعناد لهم نعتا، جاءهم الهدى فرفضوه، وعرض لهم الهوى فتبعوه، سدوا على أنفسهم أبواب الهداية وطرقها، وفتحوا عليهم أبواب الغواية وسبلها، فهم في غيهم وظلمهم يعمهون، وفي شقائهم وهلاكهم يترددون.
وفي قوله: { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم } دليل على أن كل من لم يستجب للرسول، وذهب إلى قول مخالف لقول الرسول، فإنه لم يذهب إلى هدى، وإنما ذهب إلى هوى. { ولقد وصلنا لهم القول } أي: تابعناه وواصلناه، وأنزلناه شيئا فشيئا، رحمة بهم ولطفا { لعلهم يتذكرون } حين تتكرر عليهم آياته، وتنزل عليهم بيناته وقت الحاجة إليها. فصار نزوله متفرقا رحمة بهم، فلم اعترضوا على ما هو من مصالحهم؟ فصل في ذكر بعض الفوائد والعبر في هذه القصة العجيبة فمنها أن آيات الله تعالى وعبره، وأيامه في الأمم السابقة، إنما يستفيد بها ويستنير المؤمنون، فعلى حسب إيمان العبد تكون عبرته، وإن الله تعالى إنما يسوق القصص، لأجلهم، وأما غيرهم، فلا يعبأ الله بهم، وليس لهم منها نور وهدى. ومنها: أن الله تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وأتى بها شيئا فشيئا بالتدريج، لا دفعة واحدة. ومنها: أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل عن طلب حقها، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور، خصوصا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل، الأمة الضعيفة، من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم. ومنها: أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به، لا يقوم لها أمر دينها، [ولا دنياها] ولا يكون لها إمامة فيه. ومنها: لطف الله بأم موسى، وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة، بأن الله سيرد إليها ابنها، ويجعله من المرسلين. ومنها: أن الله يقدر على عبده بعض المشاق، لينيله سرورا أعظم من ذلك، أو يدفع عنه شرا أكثر منه، كما قدر على أم موسى ذلك الحزن الشديد، والهم البليغ، الذي هو وسيلة إلى أن يصل إليها ابنها، على وجه تطمئن به نفسها، وتقر به عينها، وتزداد به غبطة وسرورا. ومنها: أن الخوف الطبيعي من الخلق، لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف. ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص. وأن من أعظم ما يزيد به الإيمان، ويتم به اليقين، الصبر عند المزعجات، والتثبيت من الله عند المقلقات، كما قال تعالى: { به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين } أي: ليزداد إيمانها بذلك ويطمئن قلبها. ومنها: أن من أعظم نعم الله على عبده، و [أعظم] معونة للعبد على أموره، تثبيت الله إياه، وربط جأشه وقلبه عند المخاوف، وعند الأمور المذهلة، فإنه بذلك يتمكن من القول الصواب، والفعل الصواب، بخلاف من استمر قلقه وروعه وانزعاجه، فإنه يضيع فكره، ويذهل عقله، فلا ينتفع بنفسه في تلك الحال. ومنها: أن العبد - ولو عرف أن القضاء والقدر ووعد الله نافذ لا بد منه - فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي أمر بها، ولا يكون ذلك منافيا لإيمانه بخبر الله، فإن الله قد وعد أم موسى أن يرده عليها، ومع ذلك، اجتهدت على رده، وأرسلت أخته لتقصه وتطلبه.
